المحارب الذي يتوب قبل القدرة عليه، وتثبت توبته، يسقط عنه الحد، ولكن لا تسقط حقوق الآدميين إلا بعفو منهم، وفي ذلك يقول ابن قدامة رحمه الله: ( فإن تابوا من قبل أن يقدر عليهم، سقطت عنهم حدود الله تعالى، وأخذوا بحقوق الآدميين ; من الأنفس، والجراح، والأموال، إلا أن يعفى لهم عنها ، لا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم وبه قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي وأبو ثور ؛ والأصل في هذا قول الله تعالى: { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ المائدة 34 ] . فعلى هذا يسقط عنهم تحتم القتل والصلب، والقطع والنفي، ويبقى عليهم القصاص في النفس والجراح، وغرامة المال والدية لما لا قصاص فيه ؛ فأما إن تاب بعد القدرة عليه ، لم يسقط عنه شيء من الحدود ; لقول الله تعالى: { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ المائدة 34 ] . ؛ فأوجب عليهم الحد، ثم استثنى التائبين قبل القدرة، فمن عداهم يبقى على قضية العموم; ولأنه إذا تاب قبل القدرة، فالظاهر أنها توبة إخلاص، وبعدها الظاهر أنها تقية من إقامة الحد عليه; ولأن في قبول توبته، وإسقاط الحد عنه قبل القدرة، ترغيبا في توبته، والرجوع عن محاربته وإفساده، فناسب ذلك الإسقاط عنه، وأما بعدها فلا حاجة إلى ترغيبه; لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة ) (1) .
11 -عقوبة المحاربين:
(1) - المغني 12/483