اختلف العلماء في عقوبة جرائم الحرابة والسعي في الأرض فسادا هل هي على التنويع حسب نوع الجريمة؛ أو هي على التخيير، أيها شاء الإمام فعل، أو بعضها على التخيير وبعضها على التنويع، ومنشأ الخلاف في ذلك، هو الخلاف الحاصل في معنى ( أو ) الواردة في قوله تعالى: { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ المائدة 33 ] ، هل هو لتنويع للعقوبة تبعا لنوع الجريمة أو لتخيير الإمام فيها، مع اتفاق الجميع على أنها من الحدود، فلا يجوز العفو فيها من الإمام ولا من ولي الدم.
وللمحاربين أربع حالات نبينها مع بيان عقوبتها على قول من قال إن (أو) للتنويع: الأولى: أن يقتلوا ولم يأخذوا مالا ففي هذه الحالة يتحتم قتلهم جميعا، يستوي في ذلك المباشر، والمعين والردء، وبعد القتل، إن كانوا مسلمين يغسلوا و يكفنوا، ويصلى عليهم ويدفنوا. الثانية: أن يقتلوا ويأخذوا المال، ففي هذه الحالة يتحتم قتلهم وصلبهم، حتى يشتهر أمرهم ليرتدع غيرهم. الثالثة: أن يأخذوا المال ولم يقتلوا، ففي هذه الحالة تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف حتما، في آن واحد، لوجوبه لحق الله تعالى، والله تعالى أمر بقطعهم، والأمر للفور، فلا ينتظر بقطع أحد الطرفين اندمال الآخر. الرابعة: إن أخافوا السبيل فقط ، ولم يقتلوا، ولم يأخذوا مالا، نفوا من الأرض.
وهذا التقسيم كما سبق على قول من قال إن ( أو ) في آية الحرابة للتنويع، وليست للتخيير، أما من قال إن ( أو ) للتخيير فإنه يقول اختيار العقوبة راجع للإمام حسب ما يراه مما يدرأ المفسدة ويحقق المصلحة لا بالهوى والتشهي (1) .
(1) - راجع كشاف القناع 6/157، والمغني 12/475