وبيَّن ابن قدامة رحمه الله الخلاف في هذه المسألة ، ورجح عدم القطع ، فقال: (واختلفت الرواية عن أحمد في جاحد العارية، فعنه: عليه القطع ، وهو قول إسحاق ; لما روي عن عائشة ، أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة فكلموه، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: { لا أراك تكلمني في حد من حدود الله تعالى } ، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا، فقال: { إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده، لو كانت فاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم- لقطعت يدها } ؛ قالت: فقطع يدها(1) . قال أحمد: لا أعرف شيئا يدفعه متفق عليه. وعنه: لا قطع عليه، وهو قول الخرقي، وأبي إسحاق ابن شاقلا ، وأبي الخطاب، وسائر الفقهاء ؛ وهو الصحيح، إن شاء الله تعالى ; لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لا قطع على الخائن } . ولأن الواجب قطع السارق ، والجاحد غير سارق، وإنما هو خائن، فأشبه جاحد الوديعة، والمرأة التي كانت تستعير المتاع إنما قطعت لسرقتها، لا بجحدها، ألا ترى قوله: { إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه } . وقوله: { والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد ، لقطعت يدها } . وفي بعض ألفاظ رواية هذه القصة عن عائشة، أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، وذكرت القصة. رواه البخاري. وفي حديث أنها سرقت قطيفة، فروى الأثرم، بإسناده عن مسعود بن الأسود قال: لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظمنا ذلك، وكانت امرأة من قريش، فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: نحن نفديها بأربعين أوقية. قال: { تطهر خير لها } . فلما سمعنا لين قول رسول الله، أتينا أسامة، فقلنا: كلم
(1) - الحديث متفق عليه رواه البخاري برقم ( 3288 ) ومسلم برقم ( 1688 ) .