الثاني: على تسليم عدم ثبوت هذا الإجماع.
قال الأستاذ أبو إسحاق الشاطبي: «فقاعدة المصالح تضم [1] علوم العربية إلى قبيل المشروع فهي من جنس كتب المصحف، وتدوين الشرائع» [2] .
قلت: «يعني بالمصالح» : المصالح المرسلة، وهي ما لم يشهد لاعتبارها شرعا، دليل معين، وتحرير الكلام عليها، مقرر في أصول الفقه، وسنشير إن شاء الله إلى بسط دلالة هذا النوع من الدليل على شرعية هذا العلم. وإذا ثبت أصله نقلا، واعتبارا، فإطلاق الإحداث عليه، بعد مضي زمان السلف الصالح، إن كان على المجاز كما تقدم. فيقرب الأمر، ولكن الظاهر من كلام الشيخ أبي طالب 10ظ / / المكي، «أنه يريد الإحداث الحقيقي، وخصوصا في تدقيق النظر فيه، وحينئذ فلا يشك في بطلان مقوله ومنقوله، وغير بعيد هذا من حاله، وإن كان من أئمة علماء الآخرة. فقد قال فيه الأستاذ «أبو إسحاق الشاطبي» فيما وقفت عليه من «أجوبته» : «له آراء خالف فيها العلماء حتى إنه ربما خالف الإجماع في بعض المواضع، لكن له كلام حسن في الوعظ، والتذكير، والتحريض على طلب الآخرة، فلذلك إذا احتاج الطلبة إلى كتابه «قوت القلوب» طالعوه متحرزين، وأما العوام فلا يحل لهم مطالعته البتة».
قلت: لقولهم: «كل كلام، منه مأخوذ أو متروك، إلا ما كان من كلام النبي صلى الله عليه وسلم [3] وثبت هذا عن مالك رحمه الله فالطلبة يعرفون ما يؤخذ منه، وما يترك، والعوام لا معرفة لهم بذلك، فيتعين عليهم ترك النظر في الجميع، لالتباس الضار بالنافع، ولا يعود هذا كله بقدح فيمن اشتهر فضله، وعرفت في مراتب علماء الآخرة منزلته، لأن عدم الأخذ بمثل هذا من كلامه، إنما هو لما عارضه، مما هو أولى منه بشهادة الإجماع، وعمل أئمة المسلمين، مع حفظ ما يجب له من التعظيم، ويعتقد في جانبه من رجاء البركة به، والتماس أنوار
(1) في الاعتصام: 1/ 199: تعم.
(2) انظر: م. س: 1/ 199.
(3) الاعتصام: 1/ 217.