دخول [الكبر] [1] على حملة هذا العلم وإن كان لا يدل على الذم، كما تقرر، فسببه ما يكسب صاحبه من اعتقاد الفضيلة له، وظهور المزية به، على من كان عاريا منه، وحق له ذلك، لكن يجب عليه أن يظهر الشكر لله تعالى، ويتحلى بفضيلة التواضع، ورؤية التقصير من وجوه لا تنحصر.
يحكى عن يحيى 10و / / بن أكتم [2] أنه قال: «بينا أنا جالس مع المأمون إذ دخل فتى أبرع الناس زيا وهيئة، ووقارا، وهو لا يلتفت إعجابا بنفسه، فنظر إليه المأمون فقال: يا يحيى، إن هذا الفتى لا يخلو أن يكون هاشميا، أو نحويا.
ثم بعثنا من يتعرف ذلك منه، فعاد الرسول، فأخبر أنه نحوي، فقال المأمون:
يا يحيى: أعلمت أن علم النحو قد بلغ بأهله من عزة النفس، وعلو الهمة، منزلة بني هاشم في شرفهم، يا يحيى: من قعد به نسبه رفعه أدبه».
ويروى عن يونس [3] أنه كان يقول: كنا ننظر إلى الشاب يخطر في جامع البصرة بين السواري فنقول: إما أن يكون قرشيا أو نحويا.
والجواب عن الثاني من وجهين:
أحدهما: أن هذا النقل إن صح مخالف للإجماع المنعقد قبله على خلافه، وفيما تقدم أوضح دليل عليه، وسيأتي إن شاء الله ما يؤيده عند الكلام على حكم هذا العلم في نظر الشرع، وأن السلف الصالح أمروا بوضعه، وسنوا تعليمه عند حدوث السبب له، وإذ ذاك فالنظر فيه ليس ببدعة، بل هو سنة من سنن الخلفاء الراشدين لا تعارض بهذا النقل المسبوق بالإجماع على مبدإ ظهورها من ناحيتهم.
(1) في «أ» : الكفر.
(2) هو أبو محمد يحيى بن أكتم (بالتاء المثناة والثاء المثلثة: لغتان في عظيم البطن) بن محمد بن قطن التميمي المروزي. ت: 242هـ 856م. قاضي البصرة ثم بغداد عهد المأمون، كما كان فقيها. انظر: تاريخ بغداد: 14/ 191، والوفيات: 6/ 165147.
(3) يونس بن حبيب البصري أبو عبد الرحمن. ت: 183هـ 779م. من أكابر النحاة، أخذ عنه سيبويه والكسائي. انظر: أخبار النحويين: 33، والنزهة: 49، والمزهر: 2/ 339.