فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 488

الجهة الخامسة:

تجويز ما يستحيل على البارىء تعالى بحمل بعض ما تقدم على ظاهره، كقول «بيان بن سمعان» : «كلّ شيء فان حتّى ذات الباري» ، تعالى عن ذلك وتقدس، ما عدا الوجه، مستدلا بقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هََالِكٌ إِلََّا وَجْهَهُ} [1] .

قال الإمام فخر الدين: «وذلك لا يقول به عاقل» اه.

وقال الأستاذ أبو إسحاق الشاطبي: «والذي قصد هذا القائل لا يتجه لغة ولا معنى قال: وأقرب قول لقصد هذا المسكين أن يراد به ذو الوجه، كما تقول: فعلت هذا لوجه فلان، أي لفلان، فكأن معنى الآية: «كلّ شيء هالك 83ظ / / إلّا هو» .

وقوله تعالى: {إِنَّمََا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللََّهِ} [2] ومثله قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ (26) وَيَبْقى ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلََالِ وَالْإِكْرََامِ} [3] .

قلت: ومن هذا المعنى ورود ما لا يليق بتنزيه الباري تعالى، فيعتقد الجاهل بالعربية أنه على ما ظهر منه، وليس كذلك.

وقد اعتنى سيبويه رحمه الله بالتنبيه على هذا النوع، ومن كلامه يتبين تمثيله فقال رحمه الله: «وأما قوله تعالى جده: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} و {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} [4] فإنه لا ينبغي أن تقول: إنه دعاء هاهنا، لأن الكلام بذلك قبيح، ولكن العباد إنما كلموا بكلامهم، وجاء القرآن على لغتهم، وعلى ما يعنون، فكأنه والله أعلم قيل لهم: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} و {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} أي هؤلاء ممن وجب هذا القول لهم، لأن هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشر والهلكة فقيل هؤلاء ممن دخل في الشر والهلكة، ووجب لهم هذا.

(1) سورة القصص، الآية: 88.

(2) سورة الإنسان، الآية: 9.

(3) سورة الرحمن، الآيتان: 26و 27. وانظر: النص في الاعتصام: 2/ 303.

(4) سورة المطففين، الآية: 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت