فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 488

قلت: ولا يقال إن ذلك تشبيه مجازي، لأن الأصل خلافه، وما تقدم من صحة وقوع الخمر لغة على كل مسكر، هو حقيقة يقضي بعدم الاحتياج إليه، والله تعالى أعلم.

[انفصال عجيب] [1] :

لعلك تقول: كيف تحفظ العربية العقل من جانبي الوجود والعدم، وتعود على صاحبها بتحقيق النظر، ورسوخ القدم، وقد زعم 96ظ / / ابن مضاء [2] :

«أنهم تجاوزوا فيها المقدار، وأفرطوا فيما قصروا عليه الإيراد والإصدار، حتى صارت متوعرة المسالك، واهية مباني الناظر فيها والسالك، منحطة الحجج عن رتبة الإقناع، بعيدة الظهور بقربها من الاستحالة والامتناع ولذلك مثل بها فقيل:

ترنو بطرف فاتن فاتر ... أضعف من حجة نحوي [3]

وإذا أفضي فيها النظر إلى منحط هذه الصفة، ومنع حماها بالحسام المفلول، والقناة المتقصفة [4] ، فهي إلى خيال العقل أقرب، وسلامته بها من العنقاء أغرب فاعلم أن الأمر بعكس ما توهمت.

ففي جواب ابن خروف: «أن مجاوزة المقدار إلى حيث انتهى بهم البحث مع تحقيق النظر وفهم مقاصد العرب فهما، أبعد فيها الناظر المدى، كان أعظم فائدة، وأكثر تصرفا في عجائب كتاب الله تعالى، وحقيقة معانيه، ونظمه، وإعجازه.

وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس أجمعين قال: «وعلى قدر ما تزيد تزاد» .

والمراد بكثير من العلل: تمرين الأذهان، ونفوذ الخواطر كما فعل أهل الحساب فيما دققوا به، وأكثروا من وجوه الأعمال، وغير ذلك مما لا يحتاج

(1) في «ج» : الفصل مجنيب.

(2) انظر: ص: 80من كتابه: «الرد على النحاة» .

(3) البيت لابن بسام الشاعر في هجاء خاله المازني كما سيوضح ابن الأزرق في ص: 371.

(4) قصفت القناة: انكسرت ولم تبن، اللسان قصف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت