فهرس الكتاب
وله في «صدر الكتاب» كلام في هذا المعنى أتم مما نقل عنه فراجعه من هنالك.
في وجه اعتبار هذا السبب لوضع العربية في نظر الشرع، وذلك ظاهر بأيسر تأمل من جهة بنائه على اعتبار «قاعدة المصالح المرسلة» على ما تقرر في الأصول، فإن ظهور المصلحة به في حفظ الشريعة واضح المناسبة لتصرفات الشرع قطعا، وعند ذلك فلا يتوقف في الإقدام عليه، وإن كان لم يتقدم عليه عهد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كيف وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتحوا باب الحفظ للشريعة بنوع منه، 136و / / وذلك حين اتفقوا على جمع المصحف الكريم مع فقد النص على الإذن فيه، حتى قال بعضهم: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! لكن لما علموا يقينا بما شرح الله صدورهم إليه، أن الإقدام لا بد منه، وإلا أدى لا محالة إلى ضياع القرآن، وذهاب كثير منه، فلا جرم اتفقوا على جمعه، وتقدموا بذلك إلى تأصيل الوضع لما يحفظ به الشريعة عند قيام مقتضيه، وإن لم يوجد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا إن سلم أن وضع هذا العلم لم يتقدم إليه الخلفاء الراشدون، وأما إن كانوا هم الذين أمروا به، وأرشدوا إلى تأصيل أوضاعه كما يدل عليه ما تقدم فهو بلا شك من جملة ما سنوا من الخير الذي سبقوا إليه، ودليلهم عليه هو بعينه دليل جمعهم للمصحف وغير ذلك مما تنتظمه قاعدة المصالح المرسلة.
تنبيه:
إذا تقرر وجه اعتبار ذلك السبب لوضع العربية في نظر الشرع، فيبقى بعد ذلك أن يقال: هل يسمى ذلك الوضع بدعة من جهة أنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم؟ لكن الابتداع فيه يكون واجبا، بناء على تقسيم البدع بانقسام أحكام الشريعة، وهو طريقة الشيخ عز الدين رحمه الله وتلميذه القرافي، أو لا
يسمى ذاك بدعة، لأن أدلة الشرع وقواعده تتناول الإقدام على وضعه، وإن لم يسبق به عهد لعدم وجود مقتضيه وما هو كذلك لا يقال فيه بدعة، وإلا لزم أن يقال في كل ما [تجدد] (1) من الوقائع التي لم يرد فيها نص عن النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص، وتكلم فيها العلماء بما تقتضيه القواعد الشرعية أنه بدعة، وليس كذلك لأن البدعة ما لا أصل له في الشريعة، 136ظ / / ولا يجري على ما يعتبره العلماء في الاستنباط لحكمه، وهذه هي طريقة المحققين من العلماء.