وقد تقدم أن لأئمة هذا الفن مبالغة عظيمة في حفظ القراءة من اللحن، وذلك أوضح شاهد على اعترافهم بالافتقار إلى العربية، إذ لا بد من الرجوع إليها في صحة القراءة، على ما سبقت الإشارة إليه.
وأما تصريحهم: بوجوب العلم بها على الجملة في حق المتصدر لإقراء القرآن، وأخذ الأداء عنه مجودا، فاسمع من ذلك ما هو أبلغ مما تقدم عنهم.
فقال الإمام أبو بكر ابن مجاهد: «ومن حملة القرآن، المعرب، العالم بوجوه الإعراب والقراءات، العارف باللغات ومعاني الكلام، البصير بعيب القراءة، المنتقد للآثار، فذلك الإمام الذي يفزع إليه حفاظ القرآن في كل مصر من أمصار المسلمين. ومنهم من يعرب ولا يلحن، ولا علم له بغير ذلك، فذلك كالأعرابي الذي يقرأ بلغته ولا يقدر على تحويل لسانه، فهو مطبوع على كلامه.
ومنهم من يؤدي ما سمعه ممن أخذه عنه، ليس عنده إلا الأداء لما تعلم، لا يعرف الإعراب، ولا غيره فذلك الحافظ، ولا يلبث مثله أن ينسى 117و / / إذا طال عهده، فيضيع الإعراب لشدة تشابهه، وكثرة ضمه، وفتحه، وكسره في الآية الواحدة، لأنه لا يعتمد على علم بالعربية، وبصر بالمعاني يرجع إليه، وإنما اعتماده على حفظه، وسماعه، وقد ينسى الحافظ فيضيع السماع، وتشتبه عليه الحروف، فيقرأ بلحن لا يعرفه، وتدعوه الشبهة إلى أن يرويه عن غيره، ويبرىء نفسه، وعسى أن يكون عند الناس مصدقا، فيحمل ذلك عنه، وقد نسيه وأوهم فيه، وجسر على لزومه والإصرار عليه، أو يكون قد قرأ على من نسي، وضيع الإعراب، ودخلته الشبهة، فتوهم بذلك، لا يقلد في القراءة، ولا يحتج بقوله.
ومنهم من تعرف قراءته، ويبصر بالمعاني، ويعرف اللغات، ولا علم له بالقراءات، واختلاف الناس والآثار، فربما دعاه بصره بالإعراب إلى أن يقرأ
بحرف جائز في العربية لم يقرأ به أحد من الماضين، فيكون بذلك مبتدعا».