ما يروى عن الشعبي أنه قال: «كنت عند الحجاج فأتى يحيى بن يعمر فقيه «خراسان» من بلخ [1] مكبلا بالحديد، فقال له الحجاج: أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بلى، فقال الحجاج: لتأتني بها واضحة من كتاب الله أو لأقطعنك عضوا عضوا. فقال: آتيك بها واضحة بينة من كتاب الله يا حجاج. قال: فتعجب من جرأته بقوله: يا حجاج! فقال له:
ولا تأتني بهذه الآية: {نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَأَبْنََاءَكُمْ} [2] . فقال: آتيك بها واضحة من كتاب الله. قوله تعالى: {وَنُوحًا هَدَيْنََا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دََاوُدَ وَسُلَيْمََانَ} إلى قوله: {وَزَكَرِيََّا وَيَحْيى ََ وَعِيسى ََ} [3] . فمن كان أبو عيسى وقد ألحق بذرية «نوح» ؟
قال: فأطرق مليا، ثم رفع رأسه فقال: كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله عز وجل، حلّوا وثاقه، وأعطوه من المال كذا» [4] .
وفي بعض الروايات: «وولاه قضاء بلده، فلم يزل به قاضيا حتى مات» [5] .
قلت: ووجه مناسبة هذه الحكاية للموضع أن الحكم على عيسى بأنه من ذرية نوح عليهما السلام متوقف على أن الضمير من قوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ} عائد على نوح، ولا يعرف ذلك إلا عربي، ومن عنده شيء من النحو على أنه قيل بعوده على إبراهيم عليه السلام ولا يضر ذلك لأن 88و / / المقصود حاصل تقدير صحته إذ أن مريم من ذرية إبراهيم، ويشهد بذلك ما في
(1) بلخ: مدينة مشهورة من أجلّ مدن خراسان وأذكرها، وأكثرها خيرا، افتتحها عبد الله بن عامر أيام عثمان بن عفان. انظر: معجم البلدان: 1/ 480479.
(2) سورة آل عمران، الآية: 61.
(3) سورة الأنعام، الآيتان: 84و 85.
(4) انظر: تفسير الرازي: 2/ 194.
(5) انظر: العقد الفريد: 2/ 40. و 5/ 260.