بالمشتغل به عن الوساوس المضنية، ومطارح الآمال التي لا تفيد غير الهم، وكلّ الأفكار المؤلمة للنفس، لكان ذلك أعظم داع إليه، فكيف وله من الفضائل ما يطول ذكره! ومن أقلها ما ذكرنا مما يحصل عليه طالب العلم.
وفي مثله أتعب ضعفاء الملوك أنفسهم، فتشاغلوا عمّا ذكرنا بالشطرنج، والنرد، والخمر، والأغاني، وركض الخيل في طلب الصيد، وسائر الفضول التي تعود بالمضرة في الدنيا والآخرة، وأما بفائدة فلا (فائدة) [1] » [2] اه.
قلت: وكيف تبتغى الفائدة من غير طريق العلم، وقد ثبت بالاستقراء أن كل خير في العالم لا يكتسب إلا بالعلم، وكل شر فيه لا يكتسب أيضا إلا بالجهل، فما هو سبب كل شر، كيف يرجى به حصول فائدة في الدنيا أو في الآخرة؟!
قال الإمام فخر الدين: «الأمور على أربعة أقسام: ما يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة وهو الأمراض والمكاره في الدنيا.
وما ترضاه الشهوة ولا يرضاه العقل وهو المعاصي.
وما يرضاه العقل والشهوة وهو العلم.
وما لا يرضاه العقل ولا الشهوة، وهو الجهل.
قال: فينزل العلم من الجهل منزلة الجنة من النار. فكما أن العقل والشهوة لا يرضيان بالنار فلا يرضيان بالجهل 34و / وكما أنهما يرضيان بالجنة يرضيان بالعلم، فمن رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة، ومن اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة حاضرة، ثم من اختار العلم يقال له غدا: تعودت المقام في الجنة فادخل الجنة، ومن اكتفى بالجهل يقال له غدا: تعودت المقام في النار فادخل النار» اه.
(1) عند ابن حزم «فائدة» : ساقطة من الرسائل: 1/ 343.
(2) انظر رسائل ابن حزم: 1/ 343.