ومنهم من تعرف قراءته، ويبصر بالمعاني، ويعرف اللغات، ولا علم له بالقراءات، واختلاف الناس والآثار، فربما دعاه بصره بالإعراب إلى أن يقرأ
بحرف جائز في العربية لم يقرأ به أحد من الماضين، فيكون بذلك مبتدعا».
انتهى بما فيه من زائد على المحتاج إليه في الموضع لما حصل به من فوائد مهمة.
قال ابن أبي الأحوص: «وقال الداني ومكي [1] ويزيد كلام أحدهما على الآخر، وهو كلام من قبلهما: قراء القرآن متفاضلون في العلم بالتجويد والمعرفة بالتحقيق. فمنهم من يعلم ذلك قياسا وتمييزا، ورواية، فذلك الحاذق، الفطن، النبيه، ومنهم من يعلمه سماعا وتقليدا، فذلك العيي الفهه [2] الضعيف، لا يلبث أن يشك ويدخله التحريف، والتصحيف، إذ ليس على أصل، ولا نقل عن فهم، والعلم فطنة ودراية آكد منه سماعا ورواية، وللدراية ضبطها ونظمها، وللرواية نقلها وتعلمها، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
قال مكي: فليس ينبغي لطالب القرآن أن يهمل نفسه، وينقل عمن لا يجوز النقل عنه ممن هذه الصفات صفاته، ويجب عليه أن يتخير 117ظ / / بقراءته ونقله وضبطه، أهل الديانة والصيانة، والفهم في علوم القرآن، والنفاذ في العربية، وصحة النقل عن الأئمة المشهورين بالعلم».
قال ابن أبي الأحوص بعد إشارته إلى أن ما تقدم من وصف هؤلاء الأئمة: «إنما يشترط لإحراز الغاية، وأقل درجة من يؤخذ عنه التجويد والقراءة أن يكون عنده من علم القراءة، والعربية، ما لا يسع جهله لصاحب هذا الفن، وتدعوه الضرورة إلى معرفته من غير تجرد في ذلك، وتكون له قراءة وتمرن على شيخ من أهل الأداء مشهور بمثل ذلك أو بما فوقه، معروف عند أهل هذه الطريقة، ومن قصر عن هذه الدرجة، فلا يحل الأخذ عنه ولا يحل له التصدر لذلك» اه.
(1) هو أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي. ت: 437هـ 1045م. كان نحويا فاضلا، عالما بوجوه القراءات، وله فيها كتب كثيرة منها: «كتاب إعراب مشكل القرآن» و «كتاب التبصرة» في القراءات السبع، و «كتاب البيان عن وجوه القراءات» . انظر: الجذوة للحميدي: 351، والنزهة:
347، والصلة: 633631.
(2) الفه: العي والغفلة.