وقال الشافعي (: لا يجب لها شيء. واستدلَّ: بأن المهرَ خالصُ حقِّها فتتمكَّن من نفيه ابتداءً كما تتمكَّن من إسقاطه انتهاءً.
ولنا: أن المهرَ حقُّ الشرع من حيث الوجوب كما عرفت ممَّا تقدَّمَ، وإنّما يصيرُ حقَّها في حالة البقاء، فتملك الإبراء دون نفي؛ لأن الأصلَ أن يلاقي التصرّف ما تملكه دون مالا تملكه.
ويجب أيضًا: مهر المثل في الشغار، فإذا زوَّج كلٌّ من الوليين موليتَه للآخر على أن يكون بضع كلٍّ منهما مهرًا للأخرى صحَّ العقد، ووجب لكلٍّ منهما مهرُ مثلها بالعقد كما تقدم لك تفصيله في شرح مادة (15) .
ويجب أيضًا مهر المثل في تعليم القرآن للأمهار: يعني إذا تزوَّج رجلٌ امرأة وجعل مهرها أن يعلمَها شيئًا من القرآن، فالعقدُ صحيحٌ والتسميةُ غيرُ صحيحة، وحينئذٍ يجبُ عليه مهر المثل.
وقال الشافعي (: التسميةُ صحيحةٌ ويعلِّمُها القدرَ المتفقَ عليه بينهما؛ لأن ما يصلح أخذ العوض في مقابلته بالشرط يصحّ تسميته مهرًا، وهنا يصحُّ أخذ الأجرة في مقابلة تعليم القرآن فيصحُّ تسميته مهرًا.
وينبغي أن يكون مذهبنا مثل مذهبه؛ لأن المتأخرين أفتوا بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والفقه، فينبغي أن يصحَّ تسميته مهرًا؛ لأن ما جاز أخذ الأجر مقابلته من المنافع جاز تسميته صداقًا، ولهذا ذَكَرَ في (( فتح القدير ) )في هذا الموضع: أنه لَمَّا جوَّزَ الشافعي ( أخذ الأجر على تعليم القرآن صحَّ تسميته صداقًا، فكذا نقول يلزم على المفتي به صحّة تسميته صداقًا ولم أر مَن تعرض له، والله الموفق(1)
(1) ووافق ابن نجيم في البحر 3: 168 ابنَ الهمام، لكن اعترضه المقدسي بأنه لا ضرورة تلجئ إلى صحة تسميته بل تسمية غيره تغني, بخلاف الحاجة إلى تعليم القرآن، فإنّها تحققت للتكاسل عن الخيرات في هذا الزمان. اهـ.
وأجابه ابن عابدين 3: 108 بقوله: وفيه أن المتأخرين أفتوا بجواز الاستئجار على التعليم للضرورة كما صرحوا به, ولهذا لم يجز على ما لا ضرورة فيه: كالتلاوة ونحوها, ثم الضرورة إنّما هي علّة لأصل جواز الاستئجار, ولا يلزم وجودها في كل فرد من أفراده, وحيث جاز على التعليم للضرورة صحّت تسميته مهرًا؛ لأنه منفعة تقابل بالمال كسكنى الدار, ولم يشترط أحد وجود الضرورة في المسمّى, إذ يلزم أن يقال مثله في تسمية السكنى مثلًا أن تسمية غيرها تغني عنها مع أن الزوجة قد تكون محتاجة إلى التعليم دون السكنى والمال.
واعترض أيضًا في (( الشرنبلالية ) )بأنه لا يصحّ تسمية التعليم؛ لأنه خدمة لها، وليست من مشترك مصالحها: أي بخلاف رعي غنمها وزراعة أرضها, فإنه وإن كان خدمة لها، لكنه من المصالح المشتركة بينه وبينها.
وأجاب تلميذه الشيخ عبد الحي: بأن الظاهر عدم تسليم كون التعليم خدمة لها, فليس كل خدمة لا تجوز, وإنما يمتنع لو كانت الخدمة للترذيل. قال الطحطاوي: وهو حسن؛ لأن معلم القرآن لا يعد خادمًا للمتعلم شرعًا ولا عرفًا. ا هـ.
وأيده ابن عابدين 3: 108 بقوله: ويؤيده أنهم لم يجعلوه استئجار الابن أباه لرعي الغنم والزراعة خدمة, ولو كان رعي الغنم خدمة أو رذيلة لم يفعله نبينا ( وموسى ( بل هو حرفةٌ كباقي الحرف الغير المسترذلة يقصد بها الاكتساب، فكذا التعليم لا يسمَّى خدمة بالأولى.