ثمّ إن الشيءَ المجعول مهرًا إن سُلِّمَ للمرأة فبها، وإن لم يُسلَّمَ لها بأن هلك أو استهلك أو استحقّ فله أحكام ستلقى عليه:
وهلاك الشيء: زوالُه من غير أن يكون لأحد من الخلق مدخلٌ في ذلك.
والاستهلاك: زواله أيضًا ولكن بسبب التعدّي عليه.
والاستحقاق: ظهور الشيء مملوكًا لغير مَن ملكه.
فالمهرُ إن كان غيرَ متعيِّن فلا يتأتى فيه أن نرتِّبَ أحكامًا على كلِّ واحدٍ من هذه الأشياء الثلاثة لعدم تأتيها في المهر بالنسبة للمرأة؛ لأنه إذا تزوَّجها على مئتي جنيه مثلًا، أو على عشرين قنطارًا من القطن الفلاني، وفرضنا أن الزوجَ عنده ألفُ جنيه أو خمسمئة قنطار من القطن الموصوف في تسمية المهر فاحترق القطن قضاءً وقدرًا، أو أحرق بالتعدّي، أو سرقت النقود، أو ادَّعى شخصٌ أن هذا القطن ملكَه وأثبت استحقاقه له فلا يمكننا أن نقول: إن المهرَ هلك أو استهلك أو استحقّ، ونرتِّب على هذه الأشياء أحكامًا بالنسبة للزوجة؛ لأن حقَّها لم يتعيَّن في شيء مخصوص، وإنّما هو قائمٌ بذمّة الزوج، فهو ملزمٌ بتسليمه لها.
فإن كان المهرُ متعيِّنًا في العقد بأن تزوَّجَها وأمهرَها هذا البيت، أو هذه القناطير من القطن، أو هذا الحصان مثلًا، وهلك أو استهلك أو استحقّ يمكننا أن نرتِّب على هذه الأشياء أحكامًا، فنقول:
إن هلكَ بعدما استلمَته الزوجةُ فلا ترجع على أحدٍ بشيء ما؛ لأنه سلَّمَها، وقد هلك تحت يدها.
وإن استهلك بعده أيضًا فإن كانت هي المستهلكة له، فكذلك وإن كان غيرها ترجعُ على ذلك الغير بمثله إن كان مثليًا، وبقيمته إن كان قيميًا، سواء كان هو الزوج أو غيره؛ لأنه تعدّى على ملكِها.
وإن استحقّ ترجع على الزوج بالمثل أو بالقيمة.
وأمّا إن كان هلاكه قبل أن تقبضَه من الزوج بأن هلكَ تحت يده، فإنّها تأخذ منه مثله أو قيمته؛ لأنه مضمونٌ عليه ما لم يسلمه لها، ولا تبرأ ذمته من ضمانه إلا بالتسليم.