فقد بان لك أنه متى ظهر للقاضي يسار الزوج وامتنع عن الإنفاق على زوجته ولم يكن له مال ظاهر يبيعَه القاضي للنفقة عليها حبسَه حتى يمتثل، فإن ظهرَ له عجزه فلا يحبسه؛ لأنه لا فائدة فيه، فإن طلبت المرأةُ من القاضي أن يفرِّق بينهما بسبب عجزه عن النفقة فلا يجيبها إلى هذا الطلب، بل يفرض لها النفقة على حسب حالهما أو حال الزوج، كما عرفته ممّا تقدم. ويأمرها بأن تستدينَ ما فرضه لها على الزوج؛ ليؤخذ منه إذا أيسرَ.
وقد يقال: ربّما لا تجد مَن يعطيها النفقة المفروضة دينًا على الزوج.
فنقول: يجبرُ مَن تجب عليه نفقتُها من الأقارب (1) بفرض عدم وجود الزوج على أن يعطيها مقدار النفقة المقدرة؛ ليرجع بها على الزوج إذا أيسر، فإذا كان لها ابن موسر أجبرَ على ذلك، فإن لم يكن فالأب، فإن لم يكن الأب موجودًا أو كان ولكنه معسر، فالأم وهكذا جميع الأقارب بالترتيب الذي ستعرفه في نفقة الأقارب إن شاء الله تعالى.
فإذا امتنع مَن تجب عليه النفقة لولا وجود الزوج عن الإدانة حبسَه القاضي حتى يمتثل.
وفائدة أمر القاضي بالاستدانة مع فرض النفقة لها هي أن يمكنها إحالة مَن أخذت منه النفقة دينًا على الزوج، وإن لم يرضَ فيطالبه بها، بخلاف ما إذا كانت بغير أمره حيث تطالب هي، ثم ترجع به على الزوج ولا تحيل عليه الغريم بلا رضاه؛ لعدم ولايتها عليه.
(1) أي كل ذي رحم محرم، وهو من لا يحل مناكحته على التأبيد مثل الأخوة والأخوات وأودهما والأعمام والعمات والأخوال والخالات، ولا بد أن تكون المحرمية بجهة القرابة لا الرضاعة، ومعلوم أن بني الأعمام وبني الأخوال ليسوا من القرابة المحرمة للنكاح فلا خلاف عندنا في عدم ثبوت النفقة لهذه القرابة، ينظر: (( مجمع الأنهر ) ) (1: 500) ، و (( تحرير النقول في نفقة الفروع والأصول ) )لابن عابدين (1: 256) ، و (( شرح الوقاية ) ) (ص381) .