فكلّ من الأصل والفرع المتقدّمين يَجِدّ جدًّا بليغا وينظر نظرًا صائبًا بما عنده من وفور الشفقة في اختيار الأهم وتقديمه على المهم خصوصًا وأنه لم يعرف بسوء الاختيار، بل بحسن النظر في العواقب لخوفه من اللوم في المستقبل، فهو لا يَقْدِمُ على عمل من الأعمال إلا بعد التدبر والتفكير فيما يترتب عليه، فهذا كله يدلّ على أنه ما زوَّجَ لغير كفء أو أقل من مهر المثل إلا لترجيحه المصالح الأخرى على الكفاءة والمهر فصححنا عقده نافذًا لازمًا.
وقال الصاحبان: لا يجوز الحطّ والزيادة إلا بما يتغابن الناس فيه؛ لأن الولاية مقيّدة بشرط النظر، فعند فواته يبطل العقد، وهذا لأن الحطّ عن مهر المثل ليس من النظر في شيء، كما في البيع، ولهذا لا يملك غيرهما.
ولأبي حنيفة (: أن الحكمةَ تدار على دليل النظر، وهو قرب القرابة، وفي النكاح المقاصد تربو على المهر. أما المالية فهي المقصودة في التصرّف المالي، والدليل في غيرهما غير موجود. والمعول عليه مذهب الإمام.
ومثل الزوجة في هذه الصور الزوج؛ لأنه كما لا يجوز للأب والجد والابن أن يزوّج الأنثى التي له الولاية عليها لغير كفء أو بأقل من مهر المثل، يجوز له أيضًا أن يزوّج المذكّر بامرأة أقل منه أو بأكثر من مهر مثلها.
ولا فرق في النقص الذي يحصل في مهر المثل بالنسبة للأنثى والزيادة التي تحصل فيه بالنسبة للمذكّر بين ما إذا كان الغبن يسيرًا أو فاحشًا.