فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 770

لموكّله، فيجوز للشاهد أن يشهد على الموكّل مع ثبوت الوكالة حالة الشهادة، وقد يمكن استخراج فروع أخر غير هذه، وبذلك يظهر سرّ قوله صلّى اللََّه عليه وآله «أوتيت جوامع الكلم» .

10 { «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ» } السين للطلب أي اطلبوا شهيدين، والفرق بين الشاهد والشهيد أنّ الأوّل بمعنى الحدوث والثاني بمعنى الثبوت، فإنّه إذا تحمّل الشهادة فهو شاهد باعتبار حدوث تحمّله، وإذا ثبت تحمّله لها زمانين أو أكثر فهو شهيد.

ثم يطلق الشاهد عليه بعد تحمّله مجازا تسمية الشيء بما كان عليه، كما يطلق الشهيد قبل تحمّله لها مجازا كما في الآية، فإنّ الطلب إنّما يكون قبل حصول المطلوب، وهذا حكم باشتراط الاثنينيّة في الشهادة بالدين فيدلّ على عدم قبول الواحد أمّا مع انضمام اليمين من المدّعي فيقبل عندنا، وعند الشافعيّ [1]

(1) قد بسط الشافعي الكلام في الأم ج 7من ص 127وذكر فيه مكالماته مع من رده، وكذا في مواضع أخر من الام، وممن قال بالقضاء بالشاهد واليمين: مالك وفقهاء المدينة وأبو ثور وربيعة وشريح وعمر بن عبد العزيز والشعبي وأبو سلمة وعبد اللََّه بن عتبة وإياس والحسن ويحيى بن يعمر وابن ابى ليلى وأبو الزناد وهو رأي الحنبلية أيضا وحكاه الشوكانى في نيل الأوطار عن الهادويه والناصر. وحكى عن زيد بن على والزهري وحكم وعطاء والنخعي وابن شبرمة والامام يحيى والثوري.

وأبو حنيفة وأصحابه والكوفيون وجمهور أهل العراق والليث من أصحاب مالك على ما في بداية المجتهد أنه لا يجوز الحكم بشاهد ويمين، وحكاه في سبيل السّلام عن الهادويه أيضا.

وقد ورد النص بالقضاء بالشاهد واليمين، ترى اثنين وعشرين حديثا في الباب 14من أبواب كيفية الحكم من الوسائل، وفيها أنه نزل به جبرئيل كما في ح 17و 21و 22.

وذكر في المنتقى كما في ص 292و 293من نيل الأوطار ج 8روايات أهل السنة عن جعفر بن محمد وعن جابر وعن ابن عباس وعن أبي هريرة قضاء رسول اللََّه بالشاهد واليمين، وسرد في نيل الأوطار أحد وعشرين صحابيا روى عنهم قضاء النبي صلّى اللََّه عليه وآله بالشاهد واليمين مضافا الى ما روى من قضاء على عليه السّلام بذلك كما في ح 3من المنتقى.

واحتج أبو حنيفة ومتابعوه بهذه الآية، { «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجََالِكُمْ» } وقالوا: الحكم بشاهد ويمين بمقتضى الروايات زيادة على القرآن بالسنة، والزيادة على القرآن نسخ وأخبار الآحاد لا تنسخ القرآن.

قال ابن قدامة في المغني ص 152ج 9: وقولهم ان الزيادة في النص نسخ، غير صحيح، لان النسخ: الرفع والإزالة، والزيادة في الشيء تقرير له لا رفع، والحكم بالشاهد واليمين لا يمنع الحكم بالشاهدين ولا يرفعه ولأن الزيادة لو كانت متصلة بالمزيد عليه، لم ترفعه، ولم تكن نسخا وكذلك إذا انفصلت، ولان الآية وردت في التحمل دون الأداء، ولهذا قال { «أَنْ تَضِلَّ» } الآية، والنزاع في الأداء. انتهى ما في المغني.

وقال ابن العربي في ص 253من أحكام القرآن: وسلك علماؤنا في الرد عليهم مسلكين: أحدهما أن هذا ليس من قسم الشهادة وانما الحكم هنالك باليمين، وحظ الشاهد ترجيح جنبة المدعى، وهو الذي اختاره أهل خراسان وقال آخرون وهو الذي عول عليه مالك ان القوم قد قال يقضى بالنكول وهو قسم ثالث ليس له في القرآن ذكر كذلك يحكم بالشاهد واليمين وان لم يجر له ذكر، لقيام الدليل.

ثم قال: والمسلك الأول مسلك الشرع، والمسلك الثاني يتعلق بمناقصة الخصم والمسلك الأول أقوى وأدل. انتهى.

وقال الشوكانى في نيل الأوطار ج 8: وأقول: جميع ما أورده المانعون من الحكم بشاهد ويمين غير نافق في سوق المناظرة عند من له أدنى إلمام بالمعارف العلمية وأقل نصيب من انصاف، والحق أن احاديث العمل بشاهد ويمين زيادة على ما دل عليه قوله { «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ» } الآية وعلى ما دل قوله صلّى اللََّه عليه وآله «شاهداك ويمينه» غير منافية لأصل، فقبولها متحتم، وغاية ما يقال على فرض التعارض وان كان فرضا فاسدا أن الآية والحديث المذكورين يدلان بمفهوم العدد على عدم قبول الشاهد واليمين، والحكم بمجردهما، وهذا المفهوم المردود عند أكثر أهل الأصول لا يعارض المنطوق وهو ما ورد في العمل بشاهد ويمين.

على أنه يقال: العمل بشهادة المرأتين مع الرجل مخالف لمفهوم حديث شاهداك أو يمينه، فان قالوا: قدمنا على هذا المفهوم منطوق الآية الكريمة قلنا ونحن قدمنا على ذلك المفهوم منطوق احاديث الباب، هذا على فرض أن الخصم يعمل بمفهوم العدد فان كان لا يعمل به أصلا فالحجة عليه أوضح وأتم، انتهى.

أقول: ونظيره ما بينه الشافعي في ص 86ج 7من الام فراجع. هذا وقد أخذ من رد الحكم بشاهد ويمين لكونه زيادة على القرآن بأحاديث كثيرة في أحكام كثيرة كلها زائدة على القرآن كالوضوء من النبيذ، والوضوء من القهقهة ومن القيء وترك قطع من سرق ما يسرع اليه الفساد، ولا قود الا بالسيف، ولا جمعة إلا في مصر جامع ولا يرث الكافر المسلم، ولا يقتل الوالد بالولد، ولا يرث القاتل من القتيل وغير ذلك من الأمثلة التي تتضمن الزيادة على عموم الكتاب، وقد بسط الكلام ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين من ص 294288آخر المجلد الثاني وفي المجلد الثالث الى ص 14 وشنع على من رد أحكاما استنادا إلى أنها زيادة على القرآن.

ثم القضاء بالشاهد واليمين يختص بالأموال وما في حكمها وعليه إجماع المسلمين ممن يقول بالقضاء بالشاهد واليمين مع اختلاف يسير في موارده، لا يهمنا التعرض له.

وهل يقضى باليمين مع المرأتين؟ نقل الشيخ في الخلاف المسئلة السابعة من مسائل كتاب الشهادات ج 2ص 607الحكم به عن الإمامية وإجماعهم فيه وبه قال مالك كما في بداية المجتهد ج 2ص 457قال لان المرأتين اقيمتنا مقام الواحد وقال الشافعي: لا يجوز لأنه إنما أقيمتا مقام الواحد مع الشاهد الواحد لا مفردة ولا مع غيره.

واختار العلامة قدس سره أيضا في المختلف ج 2ص 164ما قواه الشيخ في الخلاف والنهاية والمبسوط من جواز القضاء واختاره أيضا ابن إدريس في باب القضاء الا انه رجع عنه في باب الشهادات وقال قدس سره على ما نقل عنه في المختلف: الذي يقتضيه الأدلة ويحكم بصحته النظر الصحيح أنه لا يقبل شهادة امرئتين مع يمين المدعى، وجعلهما بمنزلة الرجل في هذا الموضوع يحتاج الى دليل شرعي والأصل ان لا يشرع، وحملهما على الرجال قياس وهو عندنا باطل، والإجماع غير منعقد والاخبار غير متواترة فإن وجدت فهي نوادر وشواذ، والأصل براءة الذمم، فمن أثبت بشهادتهما حكما شرعيا فإنه يحتاج إلى أدلة قاهرة أما إجماع أو تواتر أخبار أو قرآن، وجميع ذلك خال منه فيبقى دليل العقل ومقتضاه ما اخترناه، انتهى كلامه.

قال العلامة: لنا ان شهادة المرأتين كشهادة رجل واحد، وقد أثبت الحق بشهادة الواحد مع اليمين فكذا مساويه.

قلت وهل هذا الا القياس الذي لا نقول به، فالامتن الاستدلال على الجواز بالروايات كما تراه في ح 1و 3و 4من الباب 15من أبواب كيفية الحكم وح 34 من الباب 24من كتاب الشهادات من الوسائل، بل وكذا ح 4من الباب 24من كتاب الشهادات وقد حكم بصحة بعضها وحسن آخر منها في الجواهر ولذلك قال قدس سره في ص 45من ج 6 (ط الحاج محمد حسين الكاشاني) وتنقح من جميع ما ذكرنا اتحاد موضوع الثلاثة أي الشاهد واليمين، والشاهد والمرأتين، والمرأتين مع اليمين وهو كل حق آدمي أو المالى منه خاصة على البحث الذي قدمناه في الشاهد واليمين انتهى كلامه رفع مقامه، ومع ذلك كله فالمسئلة عندي محل تأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت