مكة؟ أي في حجة الوداع قال: (أقمنا بها عشرا) (متفق عليه) .
ونوقشت: بأن إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - بتبوك وبمكة عام الفتح كانتا بسبب الجهاد، وليستا إقامة مقصودة من قبل معلومة البداية والنهاية، وأما إقامته بمكة عام حجة الوداع: فإنها إقامة مقصودة معلومة البداية والنهاية لمعرفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الطريق بين مكة والمدينة، وكم من الزمن يحتاجه المسافر لقطعه ولمعرفة وقت الذهاب إلى مني، وبهذا حمل الجمهور كل حديث على ما دل عليه.
فالمدة التي قصر فيها بسبب الجهاد محمولة على أنه لم ينو الإقامة لظروف الجهاد، والمدة التي قصر فيها بسبب الإقامة المقصودة محمولة على القصر أربعة أيام فأقل، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في إقامته بمكة في حجة الوداع.
الترجيح
بعد عرض الأقوال وأدلتها ومناقشة الأدلة يظهر أن الراجح قول الجمهور، أن التحديد بمدة معينة إذا نوى المسافر إقامتها تنقطع بها أحكام السفر، فلا يقصر الصلاة، لأن الأصل إتمام الصلاة والقصر إنما هو في حال السفر فإذا انقطع السفر بنية الإقامة انقطعت أحكامه.
والراجح في مقدار مدة الإقامة التي ينقطع بها السفر، هو ما ذهب إليه الحنابلة على المذهب أنه إذا نوى الإقامة باختياره أكثر من أربعة أيام، فإن سفره ينقطع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مكث في مكة بالأبطح أربعة أيام يقصر الصلاة، فمن زاد على أربعة أيام، انقطع سفره، ولأن في ذلك احتياطا في العبادة.
وأما ما ذهب إليه المالكية، والشافعية: أن من أقام أربعة أيام فأكثر يتم الصلاة، واستدلالهم بمقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأبطح، فإن ذلك مبني على أنهم لم يحسبوا يوم الرابع وهو يوم الدخول، ويوم الثامن وهو يوم الخروج، فجعلوا أكثر مدة يقصر عندها ثلاثة أيام تامة. وهذا