فقال الكسائي: وكذلك اهمز «الحوت» من قوله: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ} [1] ؟!
قال: لا، قال: فلم همزت «الذيب» ، ولم تهمز الحوت، وهذا { «فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ» }
وهذا { «فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ» } ؟ فرفع بصره إلى خلاد الأحول [2] وكان [3] [3/ / أجل[4]
غلمانه، فتقدم إليه في جماعة من أهل المجلس فناظروه، فلم يصنعوا شيئا، فقالوا: أفدنا يرحمك الله، فقال لهم الكسائي: تفهّموا عن الحائك؟! تقول إذا نسبت الرجل إلى الذئب: «قد استذأب الرجل» ، ولو قلت: «قد استذاب» بغير همز لكنت إنما نسبته إلى الهزال، تقول: قد استذاب الرجل، إذا استذاب شحمه (بغير همز) فإذا نسبته إلى الحوت تقول: «قد استحات الرجل» أي كثر أكله، لأن الحوت يأكل كثيرا، ولا يجوز فيه الهمز، فلتلك العلة همز «الذّئب» ، ولم يهمز «الحوت» .
وفيه معنى آخر: لا يسقط الهمز من مفرده، ولا من جمعه: وأنشدهم:
أيها الذئب، وابنه وأبوه ... أنت عندي من أذؤب ضاريات
فسمي الكسائي من ذلك اليوم» [5] .
قلت: وعلى ذكرهم الحوت، ففي معنى: القصد به ما حكاه صاعد [6] أن «الأعمش [7] كان يقرىء في مسجد بني أسد بالكوفة، وكان مولى لهم، وكان أبو
(1) سورة الصافات، الآية: 142.
(2) هو خلاد بن خالد الأحول الكوفي. ت: 220هـ 835م، عرض على حمزة، وكان من جلة أصحابه. انظر طبقات القراء: 1/ 275274.
(3) بياض في «أ» يشمل أربع صفحات أتممناها من «ج» لوضوحها واتبعنا في ترقيمها ما بالنسخة الخطية. وتبدأ من قوله: «أجل غلمانه إلى قوله: إن رجلا قال له: يا أبو سعيد» .
(4) في «تاريخ بغداد» : 11/ 405: «أجمل غلمانه» وفي «النزهة» : 7069: أكمل.
(5) تاريخ بغداد: 11/ 405والنزهة: 7069، والإنباه: 2/ 258.
(6) هو صاعد بن الحسن الربعي البغدادي. ت: سنة 417هـ 1026م. عالم بالأدب واللغة، ومن الكتاب الشعراء، ولد بالموصل، وانتقل إلى الأندلس حوالي سنة 380هـ، فأكرمه الحاجب المنصور بن أبي عامر فصنف له كتاب «الفصوص» . انظر الجذوة: 223.
(7) سليمان بن مهران الأعمش أبو محمد الأسدي. ت: 148هـ 765م. كان من أقرإ الناس لكتاب الله عز وجل انظر: طبقات القراء: 1/ 316.