فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 488

المالقي مولدا، ومنشأ، مع القاضي أبي القاسم ابن حبيش [1] عند قدومه عليه بمرسية [2] ليأخذ عنه، وذلك أنه لما ورد عليه لم يجد سبيلا إلى التوصل لما كان يريده من الاختصاص به، والاستكثار منه لما كان القاضي قد شغل به من الأحكام مع ازدحام الناس عليه من وجوه أهل «مرسية» وغيرهم من الواردين، قال رحمه الله فيما حكى ولده الشيخ أبو بكر: فكنت إذا جئت مجلسه، قعدت في أخريات الناس، فأسمع ما يقدر لي سماعه، ثم انصرف، فمر للقارىء عليه ذات يوم اسم رجل اختلف في منعه من الصرف، فسألهم القاضي عنه، فتكلم بعض الحاضرين في ذلك بكلام غير مقنع، وكان القاضي لم يرضه، فقلت في نفسي: لا أجد شيئا أحظى به عند الشيخ مثل التكلم في هذا المقام.

قال: فتطاولت إليه من بين الجماعة، وقلت: يا سيدي، إن عندي في هذه المسألة مزيد بيان، فإن أذنتم في الكلام تكلمت. فقال لي: تكلم يا فتى، قال: فتكلمت في المسألة، وبسطت القول في الباب، ونصصت الخلاف، ورجحت الصواب، ولم أبق غاية، والقاضي أثناء ذلك مصغ إلي، فلما استوفيت القول في المسألة، قام، وفسح لي مكانا بإزائه، وقال لي: هذا مكانك، ولم يزل على ذلك من بري وإيثاري إلى أن رحلت عنه.

قال ولده: وقد رأيت مصداق هذا بخط أبي في كتاب خاطب به أباه رحمه الله من مرسية حينئذ، ونص بعض فصوله: «والذي وجب به إعلامكم يا سيدي أن الشيخ الفقيه القاضي أبا القاسم ابن حبيش رضي الله عنه أولاني من بره، وإقباله، وإيثاره، واهتباله، ما يقصر عن وصف أقله اللسان، ويقل عنده كل إحسان، وخصني بروايتين في أول النهار وآخره، وهو

(1) عبد الرحمن بن محمد أبو القاسم بن حبيش الأنصاري الأندلسي. ت: 584هـ 1188م، بمرسية. القاضي، الإمام، الحافظ، برع في النحو، وكان أحد الأئمة في الحديث، وغريبه، ولغته. وله كتاب «المغازي» في مجلدات. انظر: البغية: 2/ 85.

(2) مدينة بالأندلس اختطها عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي وسماها: تدمير: بتدمر الشام ذات أشجار، وحدائق محدقة بها. انظر: معجم البلدان: 5/ 107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت