وخلفا، وبرهان الوجود عاضد لهم، وحاكم بتخلف ما ظنه خلافهم، والله تعالى أعلم، وهو يقول الحق، ويهدي السبيل.
فإن قلت: فقد قال الغزالي [1] : «كل ما يطلب لغيره، فلا ينبغي أن يجهد فيه المطلوب ويستكثر منه» . قال: «فاقتصر من شائع علم اللغة على ما يفهم [2]
به كلام العرب، وتنطق به، ومن غريبه على غريب القرآن، وغريب الحديث، ودع التعمق فيه، واقتصر من النحو على ما يتعلق بالكتاب والسنة» [3] اه. وهذا الكلام يشير إلى معنى ما سبق عن ابن التبان.
قلت: ذلك المقدار الذي أرشد إلى الاقتصار عليه من علمي النحو واللغة، يتفاوت الناس فيه 13و / / على حسب ما تقدمت الإشارة إليه. فلا يكون هناك حد لعلم النهاية عنده، وأيضا ذلك المقدار بالنسبة إلى طلب رتبة الاجتهاد في الشريعة، لا يحصل إلا لمن بلغ في العربية رتبة الاجتهاد أيضا على ما يأتي تقريره إن شاء الله مع نقل [ما عناه] [4] من كلامه في «المستصفى» ، وأيضا كلام الغزالي هنا باعتبار تقديم الأهم عند مزاحمة الفنون العلمية على الناظر فيها، ويتفاوت الناس في ذلك أيضا تفاوتا عظيما. وأما مع الفراغ [للاستقصاء] [5] والاطلاع على فن من الفنون العلمية، وخصوصا مع تعذر الاشتغال بغيره، فلا يتمشى فيه ذلك المعنى. ولذلك قال في موضع آخر بعده عند الكلام على وظائف المتعلم: «أن منها ألا يدع طالب العلوم [6] فنا من العلوم المحمودة، ولا نوعا من أنواعه إلا وينظر فيه نظرا يطلع به على مقصده وغايته» .
(1) أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي. ت: 505هـ 1111م. حجة الإسلام وفيلسوف ومتصوف، له نحو مائتي مصنف منها: كتابه «الإحياء» ، و «المنقذ» ، و «ميزان العمل» ، و «المستصفى» . انظر: الوفيات: 4/ 216، وطبقات الشافعية: 6/ 191.
(2) في الإحياء: 1/ 40: على ما تفهم منه كلام.
(3) انظر: م. س: 1/ 40.
(4) في «أ» : نقل عناه.
(5) في «ج» : الاستقصاء.
(6) في الإحياء: 1/ 51: العلم.