فسقطت مدن، وأخذت قواعد [1] ، فانحاز أهل الإسلام إلى «غرناطة» و «المرية» و «مالقة» ونحوها، وهذه الرقعة الضيقة شاء لها القدر أن تشاهد ميلاد أندلس جديدة نزح أهلها عن ديارهم المنكوبة في غرب الأندلس، وشرقها، وشمالها، وظهرت عبقرية هؤلاء النازحين في خلق جو علمي، ازدهرت فيه العلوم والفنون ومع ذلك فقد كانت الظاهرة العامة للحياة السياسية بالأندلس عصر «ابن الأزرق» وقبله هي: ظاهرة استرجاع الإسبان لأراضي الأندلس الإسلامية، ونزع ما تبقى منها، وقد كان هذا يلقي عبئا على مملكة غرناطة وحكام دولة بني الأحمر [2] ، وذلك بالنهوض بعبء الجهاد الشاق ضد النصارى ومناوآتهم المستمرة لإسقاط آخر معقل من معاقل الإسلام بالأندلس.
إلى جانب هذا كانت عوامل التنافس، والصراع على السلطة، والعرش، بين أبناء الأسرة النصرية في «غرناطة» . مما زاد في دعم الشقاق، وتعقيد الحياة السياسية، «فأخذ الاستقرار والسلم اللذان تمتعت بهما حينا في أواخر القرن الثامن الهجري، وأوائل القرن التاسع ينصرم شيئا فشيئا، وأخذت تواجه طائفة من الثورات والانقلابات الداخلية» [3] المتوالية شطرتها شطرين يتربص كل منهما بالآخر:
أحدهما: غرناطة وبعض أعمالها، ويحكمها أبو عبد الله محمد بن السلطان أبي الحسن النصري.
وثانيهما: وادي آش وأعمالها، ويحكمها أبو عبد الله محمد بن سعد
(1) انظر تفاصيل ذلك في نفح الطيب: 4/ 473472، والبيان المغرب: 3/ 306وما بعدها.
(2) دولة بني الأحمر المعروفة أيضا بدولة بني نصر الخزرجيين، قامت على يد زعيمهم محمد بن يوسف الخزرجي، وتوارث أبناؤه وأحفاده بعده عرش مملكة غرناطة من سنة (635هـ 897هـ) (1238م 1492م) : حيث تعاقب على هذا العرش واحد وعشرون ملكا
انظر: «أبو الوليد ابن الأحمر» : 20.
(3) مواقف حاسمة. ص: 239.