به، وإنما الذي أخبروا به نوع خاص من أنواع لا تنحصر، وكذلك يرى أيضا من انقطع إلى الله تعالى بطلب العلم أو تعليمه، أو الاشتغال به أو بالجهاد، أو بالصدقة، أو بأكثر من ذلك، أو بجميعه، هذا ما قال. ثم استدل عليه «بأن الصحابة رضي الله عنهم أول من نال هذه الرتبة، وسيرهم معلومة، ولم يكن فيهم من اختص بالتعبد بالنوافل دون العلم، ولا بالعلم دون الجهاد، ولا بالجهاد دون النوافل بل كانوا آخذين في الكل، عاملين بكل شعبة من شعب الإسلام، وكذلك من بعدهم ممن اشتهر بالولاية من التابعين وغيرهم.
وقد كان الجنيد [1] يفتي على مذهب أبي ثور [2] ، وكان الشبلي [3] مذكرا يعقد المجالس، ويتكلم على الناس، وكان الحارث المحاسبي [4] من قد علمت، إلى غير هؤلاء، ممن اشتهر بأنه من أولياء الله، بل «أبو حامد» قد شهد للأئمة الأربعة بأنهم ممن نال من علم الباطن ما ناله الأولياء. كما أنه لم يبلغنا عن أحد من الصحابة أو من بعدهم إلمام بهذا النوع من الكشف الذي ذكره «أبو حامد» فدل على أن الأمر أوسع مما ذكره» اه.
(1) الجنيد بن محمد أبو القاسم الخزار القواريري، سمي بالقواريري لأن أباه كان يبيع الزجاج. ت:
297 -هـ 909م. مولده ومنشأه بالعراق، تفقه على أبي ثور، وكان يفتي في حلقته، وصحب الحارث المحاسبي، والسّري السقطي، وغيرهما، وكان من أئمة القوم وساداتهم. انظر: طبقات الصوفية: 163155، وتاريخ بغداد: 7/ 249241.
(2) هو إبراهيم بن خالد بن اليمان أبو ثور الكلبي الفقيه. ت: 240هـ 854م. أحد الأئمة المجتهدين، صاحب الإمام الشافعي، كان أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا، صنف الكتب، كان يتكلم في الرأي فيخطىء ويصيب من مصنفاته: كتاب ذكر فيه اختلاف مالك والشافعي، وذكر مذهبه في ذلك، وهو أكثر ميلا إلى الشافعي. انظر: تاريخ بغداد: 6/ 6965.
(3) اسمه دلف، ويقال: ابن جحدر، ويقال: ابن جعفر، ويقال: اسمه جعفر بن يونس، خراساني الأصل، بغدادي المنشأ والمولد، صحب الجنيد، ومن في عصره من المشايخ، وصار أوحد وقته حالا وعلما، وكان على مذهب مالك (ت: 334هـ 945م) . انظر: طبقات الصوفية: 337 348، وتاريخ بغداد: 10/ 397389.
(4) الحارث بن أسد المحاسبي أبو عبد الله، من علماء مشايخ القوم بعلوم الظاهر وعلوم المعاملات، له تصانيف مشهورة منها: كتاب «الرعاية لحقوق الله» ، و «رسالة التوهم» ، مات ببغداد سنة 243هـ 857م. انظر: طبقات الصوفية: 6056والحلية: 10/ 10973.