ما نقل أن الحجاج بعث الغضبان بن القبعثرى [1] إلى بلاد كرمان [2] ليأتيه بخبر ابن الأشعث [3] عند خلعه، فلما صار ببلاد كرمان ضرب خباءه ونزل، فإذا بأعرابي قد أقبل إليه، فقال له: السلام عليك، فقال الغضبان: كلمة مقولة، قال: من أين جئت؟ قال: من ورائي، قال: وأين تريد؟ قال: أمامي، قال:
وعلام جئت؟ قال: على فرسي: وفيم جئت؟ قال: في ثيابي، قال: أتأذن لي في أن أدخل عليك؟ قال: وراءك أوسع لك، قال: والله ما أريد طعامك ولا شرابك، قال: لا تعرض بهما، فو الله لا ذقتهما، قال: وليس عندك إلا ما أرى؟
قال: بلى، هذه هراوة أضرب بها رأسك، قال: إن الرمضاء أحرقت قدمي، قال له: بل عليهما تبردان، قال: كيف ترى فرسي هذا؟ قال: أراه خيرا من آخر شر منه، وأرى آخر أمره منه خير من آخر شر منه، قال: قد علمت هذا، قال: لو علمت ما سألتني عنه، فتركه الأعرابي وولى، ثم دخل الغضبان على ابن الأشعث فقال له: ما وراءك يا غضبان؟ قال: الشر، تغدّ بالحجاج قبل أن يتعشى بك، ثم صعد المنبر فخطب، فلم يلبث إلا قليلا حتى أسر ابن الأشعث، وأسر الغضبان فيمن أسر، فلما أدخل على الحجاج قال له: يا غضبان كيف رأيت بلاد كرمان؟ قال: أصلح الله الأمير، بلاد ماؤها وشل، أي قليل، وثمرها دقل أي رديء، ولصّها بطل، الخيل بها 89و / / ضعاف، إن كثر الجند بها جاءوا، وإن قلوا ضاعوا، قال: ألست صاحب الكلمة الخبيثة: «تغدّ بالحجاج قبل أن يتعشى بك» ، قال: أصلح الله الأمير، لم تنفع من قيلت له، ولا ضرت من قيلت فيه،
(1) أورد الطبري في تاريخه: 7/ 184جملة من أخباره، وكذا في الكامل: 4/ 384383.
(2) كرمان: أرض متصلة بأرض فارس غربا وبأرض مكران شرقا وفي الشمال مفازة خراسان، وسجستان وفي الجنوب بحر فارس. انظر: الروض المعطار: 491.
(3) هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. ت: 85هـ 704م. خرج على الحجاج من سجستان إلى العراق سنة 81هـ ولما دخل البصرة بايعه في تلك السنة على حرب الحجاج، وخلع عبد الملك، جميع أهلها، وكان بينه وبين الحجاج وقعات منها الأهواز، ودير الجماجم، ومسكن، وقد قتل عبد الرحمن نفسه بأن ألقى بها من فوق قصر، فاحتز رأسه. وأرسل إلى الحجاج. انظر تاريخ الطبري: 8/ 2423.