فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 488

وقعد، وكتب إلى الخليل يعتذر إليه، وأضعف راتبه، فقال الخليل:

وزلة يكثر الشيطان إن ذكرت ... منها التعجب، جاءت من سليمانا

لا تعجبن لخير زل عن يده ... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا» [1]

وذكر عن ابن بابشاذ [2] من متأخري النحاة وهو مما ينظر إلى هذا المعنى، ويتعلق منه بسبب ظاهر، لكن باعتبار إيثار القناعة، والرضا باليسير، ليتأهب إلى ادخار ما يقدم للمعاد: «أن وظيفته بمصر، وكانت ديوان الإنشاء، لا يخرج كتاب حتى يعرض عليه، وله عليها مرتب، وكان ينظر في الكتاب من جهة النحو، واللغة، فلا ينفد كتاب حتى يرضاه.

قال: ومما جرى له من العجائب: أنه كان يأكل طعاما على سطح المسجد مع أصحابه فجاءهم قط فرموا له لقمة، فذهب بها ثم رجع، فرموا له لقمة أخرى، فذهب ثم رجع، فرموا له لقمة فعل ذلك مرارا كثيرا حتى اتهموا أنه لا يأكل الذي رموا كله، فتبعوه، فوجدوه يرقى إلى حائط في سطح المسجد، ثم ينزل إلى بيت خرب خال، وفيه قط آخر أعمى، فيحمل إليه ذلك الطعام الذي عطوه، ويأكل ذلك الأعمى، فعجبوا من ذلك، فقال الشيخ ابن بابشاذ: إذا كان هذا حيوانا أخرس أعمى وقد سخر الله له هذا القط، يقوم بكفايته، ولم يحرمه الرزق، فكيف يصنع مثلي؟!

ثم استعفى الشيخ من الخدمة، وترك مرتبه وقطع علائقه، ولازم بيته 109و / / متوكلا على الله تعالى، فما زال محروسا، محمول الكلفة إلى أن مات ثالث رجب سنة تسع وستين وأربعمائة، ودفن في القرافة [3] الكبرى من القاهرة.

قال: وكان سبب وفاته أنه لما باع ما عنده، وجمع أطرافه، وانقطع في غرفة

(1) انظر الوفيات: 2/ 246245 (ترجمة الخليل) .

(2) ابن بابشاذ: هو أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي: كان بمصر إمام عصره في علم النحو، من تصانيفه: «المقدمة» ، وشرحها، و «شرح الجمل» للزجاجي، و «شرح كتاب الأصول» لابن السراج. ت: 469هـ 1007م، وقيل: 454هـ. وبابشاذ معناه بالفارسية: الفرح والسرور، انظر: الإنباه: 2/ 9795، والوفيات: 2/ 517515، والبغية: 2/ 17.

(3) مقبرة في القاهرة بسفح جبل المقطم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت