جامع «عمرو بن العاص» بمصر، خرج ليلة من الغرفة، فزلت رجله فسقط، فأصبح ميتا رحمه الله» [1] .
قلت: وينظر إلى عجيب هذا الاتفاق من جانب المتعلقين بوسيلة المعرفة باللسان: نظمه ونثره، ما يحكى عن عروة بن أذينة [2] مع هشام بن عبد الملك [3] :
قال الحريري: «والحكاية تدل على استشعار اليقين، وإعلاق الأمل بالخالق دون المخلوقين وهي أن عروة هذا وفد على هشام بن عبد الملك في جماعة من الشعراء فلما دخلوا عليه عرف عروة، فقال: ألست القائل:
لقد علمت وما الإشراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنّيني تطلبه ... ولو أقمت أتاني لا يعنّيني
وأراك قد جئت تضرب من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق؟ فقال عروة: لقد وعظت يا أمير المؤمنين فبالغت الوعظ، وأذكرت ما أنسانيه الدهر.
وخرج من فوره إلى راحلته، فركبها ثم نصها [4] راجعا نحو الحجاز، فمكث هشام يومه غافلا عنه، فلما كان في الليل تعارّ [5] على فراشه فذكره وقال: رجل من قريش قال حكمة، ووفد إلي، فجبهته، يعني استقبلته بالمكروه، ورددته عن حاجته، وهو مع ذلك شاعر لا آمن ما يقول.
فلما أصبح سأل عنه، فأخبر بانصرافه، فقال: لا جرم، ليعلمن أن الرزق سيأتيه، ثم دعا بمولى له، وأعطاه ألفي دينار، وقال له: ألحق بهذه ابن أذينة،
(1) انظر الوفيات: 2/ 517516.
(2) هو عروة بن يحيى، وأذينة لقب لأبيه، شاعر مقدم من أهل المدينة، ويعد في الفقهاء والمحدثين أيضا، لكن غلب عليه الشعر، له ترجمة مستفيضة في الأغاني: 18/ 252240، والشعر والشعراء: 289.
(3) الخليفة الأموي العاشر، بلغت الإمبراطورية الإسلامية في عهده أقصى اتساعها. ت: 125هـ 743م. الكامل: 5/ 264261.
(4) نص الناقة: استحثها شديدا.
(5) التعار: السهر والتقلب على الفراش ليلا مع الكلام. اللسان: عرر.