فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 488

قيل: وما نبأ المصة؟ قال: إن أمي اشتغلت بطعام تطبخه لأبي، وأنا رضيع، فبكيت، وكانت عندنا جارية مرضعة لجيراننا، فأرضعتني مصة أو مصتين، ودخل والدي، فقال: ما هذا؟ هذه الجارية ليست لنا، وليس لها أن تتصرف في لبنها، وأصحابها لم يأذنوا في ذلك، وفوعني حتى لم يدع في بطني شيئا إلا أخرجه، وهذه اللجلجة من بقايا تلك الآثار.

فانظر إلى هذا الأمر العجيب الذي يحاسب نفسه عليه، وهو قد جرى في زمان الصبا الذي لا تكليف فيه.

وهذا ما سمعنا بمثله إلا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه» اه.

ثم ذكر أنه تفقه على أبيه، وأشار إلى ما تقدم لابن خلكان في إعجاب والده به، لما كان يرى عليه من مخايل النجابة، واجتهاده في التحصيل قال:

«حتى صار إلى ما صار إليه، وأوقف علماء المشرق والمغرب معترفين بالعجز بين يديه، وسلك طريق المباحثة والمناظرة حتى أربى على كثير من المتقدمين، وأنسى تصرفات الأولين، وسعى في دين الله سعيا يبقى أثره إلى يوم الدين.

قال: ومن ابتداء أمره أنه لما توفي أبوه كان سنه دون العشرين أو قريبا منه فأقعد مكانه للتدريس، وكان يدرس، ثم يذهب بعد ذلك إلى مدرسة البيهقي حتى حصل الأصول وأصول الفقه على الأستاذ الإمام أبي القاسم الإسكاف الإسفرايني، وكان يواظب على مجلسه.

قال عبد الغافر الفارسي [1] : وقد سمعته يقول في أثناء كلامه، كنت علقت عليه في الأصول أجزاء معدودة، وطالعت في نفسي مائة مجلد، وكان يصل الليل بالنهار في التحصيل حتى فرغ منه، ويبكر كل يوم قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مجلس أبي عبد الله الخبازي [2] يقرأ عليه القرآن، ويقتبس من كل

(1) هو عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي أبو الحسن. ت: 529هـ 1135م. من علماء العربية والتاريخ، والحديث، فارسي الأصل، من أهل نيسابور، له تصانيف منها: «المفهم لشرح غريب مسلم» ، و «مجمع الغرائب» . انظر: الوفيات: 3/ 225.

(2) هو حسين بن عبد العزيز بن محمد البوجردي الخبازي. ت: 497هـ 1103م. كان فقيها، عالما، مراعيا للفقراء، آمرا بالمعروف، صدوقا. انظر: طبقات الشافعية: 4/ 348.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت