{وَمَنْ يَكْتُمْهََا فَإِنَّهُ آثِمٌ} [1] ، ومهابة يتضاءل النجم دونها، وتود الأسود أن تكونها، ولا تكون إلا دونها، وفخار لو رأته الأم لقالت: قري عينا أيتها النفس بهذا الولد، أو [المزني] [2] لعلم إذ بنات قرائحه انتهت إليه أبكارا، واتخذ منها ما عز على كل أحد، وشعار آوى الأشعري منه إلى ركن شديد، واعتزل المعتزلي المناظرة، علما أنه {مََا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلََّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [3] .
تربى في حجر العلم حتى ربا، وارتضع ثدي الفضل فكان فطامه هذا النبا، وأحكم العربية وما يتعلق بها من علوم الأدب، وأوتي من الفصاحة والبلاغة ما أعجز الفصحاء وحير البلغاء، وكان يذكر دروسا كل درس منها تضيق الأوراق العديدة عن استيفائه [4] ، غير متلعثم في الكلام، ولا محتاج إلى استدراك عثرة في لفظه، بل جار كالسيل منحدرا، والبرق إذا سرى، ليعلم المنتقدون [5] أنه لا يدرك له حد، ويعترف المبرزون بأنه «عمل صالحا، وأحسن في السرد» [6] .
قال الثقات: إن ما يوجد في مصنفاته من العبارات قطرة من سيل، كان يجريه لسانه على شفتيه عند المذاكرة، وغرفة من بحر، كان يفيض من فمه في مجالس المناظرة، اعتنى به والده من صغره، لا بل من قبل مولده، وذلك أن أباه اكتسب من عمل يده مالا خالصا من الشبهة، اتصل به إلى والدته، فلما ولدته له، حرص على أن لا يطعمه ما فيه شبهة، ولا أدنى شبهة فلم يمازج باطنه إلا الحلال الخالص، حتى إنه يحكى أنه تلجلج مرة في مجلس مناظرة، فقيل له: يا إمام ما هذا 126و / / الذي لم يعهد منك؟ فقال: ما أراها إلا أثر المصة،
(1) سورة البقرة، الآية: 283.
(2) في الأصول: المدرس.
(3) سورة ق، الآية: 18.
(4) في طبقات الشافعية 5/ 167: استيعابه.
(5) في م. س: 5/ 168: المتعمقون.
(6) اقتباس من قوله تعالى في سورة سبأ، الآية: 11: {أَنِ اعْمَلْ سََابِغََاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صََالِحًا إِنِّي بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .