ولا ناظرا إلا طرفه ناظرا في كتابه، بطل علم إذا رآه النظار أفحموا وقالوا: {وَمََا مِنََّا إِلََّا لَهُ مَقََامٌ مَعْلُومٌ} [1] ، وفارس بحث يضيق على خصمائه الفضاء الواسع حتى لا يفوته الهارب منهم بحوز [2] ، ولو أنه الطائر في السماء يحوم، تفد المشكلات إليه فيصدها، وترد السؤالات عليه فلا يردها:
أبدا على طرف اللسان جوابه ... فكأنما هي دفعة من صيب
يغدو مساجله بعزة صالح [3] ... ويروح معترفا بذلة مذنب
وما برح يدأب، لا يترك سامية إلا علاها، ولا غاية إلا قطع دونها أنفاس المجاز، وقطع منتهاها، بذهن صح على نقد الفكر إبريزه، ووضح في ميدان الجدال تبريزه، حتى قال له الدهر: لقد اشتبه يومك بأمسك، وقالت له العلياء:
هذا حدي، قف على رسلك، ارفق بنفسك وامسك. هذا إلى لفظ غرّه [4]
سحر، إلا أنه حلّ وبلّ، ودره يتيم إلا أنه لا يدل بفصيح كلم، قالت النحاة:
هذا ما عجز عنه زيد وعمرو وخالد، وبليغ قول، قالت البلغاء: قصر عن مداه الطريف [5] والتالد.
وما أرى أحدا في الناس يشبهه ... وما أحاشي 125ظ / / من الأقوام من أحد [6]
أجل، والله، إنه لذو حظ عظيم، وقدر، إذا أنصفت العداة أصبح {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدََاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [7] ، وعظمة أمست ديار الأعداء بها وهي محلات مآتم، وجلالة قال القاضي: لا يكتمها الشاهد المعدّل عندي،
(1) سورة الصافات، الآية: 164.
(2) الحوز: الموضع إذا أقيم حوله سد أو حاجز. وفي طبقات الشافعية 5/ 165: يحور.
(3) في م. س: 5/ 165: صافح.
(4) زيادة من م. س: 5/ 166.
(5) في م. س: 5/ 166: طريق الفصاحة.
(6) البيت للنابغة وروايته في الديوان: ص: 20.
«ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا أحاشي من الأقوام من أحد»
ولا أحاشي: أي لا أستثني.
(7) سورة فصلت، الآية: 34.