البهيمية تصده عما هو كماله من انقيادها للملكية ، فيبغضها ، ويطلب كسر سورتها ، فلا يجد ما يغيثه في ذلك ، كالجوع والعطش ، وترك الجماع والأخذ على لسانه وقلبه وجوارحه ، ويتمسك بذلك علاجا لمرضه النفساني ، ويتلوه من يأخذ ذلك عن المخبر الصادق بشهادة قلبه ، ثم الذي يقوده الأنبياء شفقة عليه ، وهو لا يعلم ، فيجد فائدة ذلك في المعاد من انكسار السورة وربما يطلع الإنسان على أن انقياد الطبيعة للعقل كمال له ، وتكون طبيعته باغية تنقاد تارة ، ولا تنقاد أخرى ، فيحتاج إلى تمرين ، فيعمد إلى عمل شاق كالصوم ، فيكلف طبيعته ، ويلتزم وفاء العهد ، ثم ، وثم حتى يحصل الأمر المطلوب . وربما يفرط منه ذنب ، فيلتزم صوم أيام كثيرة يشق عليه بإزاء الذنب ، ليردعه عن العود في مثله . وربما تاقت نفسه إلى النساء ، ولا يجد طولا ، ويخاف العنت ، فيكسر شهوته بالصوم ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ' فإن الصوم له وجاء ' . والصوم حسنة عظيمة يقوى الملكية ، ويضعف البهيمية ، ولا شيء مثله في صيقلة وجه الروح وقهر الطبيعة ، ولذلك قال الله تعالى: ' الصوم لي وأنا أجزى به ' ، ويكفر الخطايا بقدر ما اضمحل من سورة البهيمية ، ويحصل به تشبه عظيم بالملائكة ، فيحبونه ، فيكون متعلق الحب أثر ضعف البهيمية ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ' لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ' وإذا جعل رسما مشهورا نفع عن غوائل الرسوم وإذا التزمه أمة من الأمم سلسلت شياطينها ، وفتحت أبواب جنانها ، وغلقت أبواب النيران عنها .