كانت لهم ارتفاقات مشتركة النفع لا يطيق واحد منهم إقامتها ، أو لا تسهل عليه ، أو لا تسمح نفسه بها ، فاضطروا إلى إقامة ملك يقضي بينهم بالعدل ، ويزجر عاصيهم ، ويقاوم جريئهم ، ويجبي منهم الخراج ، ويصرفه في مصرفه ، وأوجب الارتفاق الثالث ارتفاقا رابعا ، وذلك أنه لما انفرز كل ملك بمدينته ، وجبى إليه الأموال ، وانظم إليه الأبطال ، وداخلهم الشح والحرص والحقد ، تشاجروا فيما بينهم ، وتقاتلوا ، فاضطروا إلى إقامة الخليفة ، أو الانقياد لمن تسلط عليهم تسلط الخلافة الكبرى ، وأعني بالخليفة من يحصل له من الشوكة ما يرى معه ، كالممتنع أن يسلبه رجل آخر ملكه ، اللهم إلا بعد اجتماعات كثيرة ، وبذل أموال خطيرة لا يتمكن منها إلا واحد في القرون المتطاولة ، ويختلف الخليفة باختلاف الأشخاص والعادات ، وأي أمة طبائعها أشد وأحد ، فهي أحوج إلى الملوك والخلفاء ممن هي دونهما في الشح والشحناء ، ونحن نريد أن ننبهك على أصول هذه الارتفاقات وفهارس أبوابها ، كما أوجبه عقول الأمم الصالحة ذوي الأخلاق الفاضلة ، واتخذوه سنة مسلمة لا يختلف فيها أقاصيهم ، ولا أذانيهم ، فاستمع لما يتلى عليك . ( باب الارتفاق الأول ) منه اللغة المعبرة عما في ضمير الإنسان ، والأصل في ذلك أفعال وهيآت وأجسام تلابس صوتا ما بالمجاورة أو التسبب أو غيرهما ، فيحكى ذلك الصوت كما هو ، ثم يتصرف فيه باشتقاق الصيغ بإزاء اختلاف المعاني ، ويشبه أمور مؤثرة في الأبصار ، أو محدثة لهيآت وجدانية في النفس ، بالقسم الأول ، ويتكلف له صوت كمثله ، ثم اتسعت اللغات بالتجوز لمشابهة أو مجاورة والنقل لعلاقة ما