فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 863

( باب ارتباط الأعمال بالهيئات النفسانية ) اعلم أن الأعمال مظاهر الهيئات النفسانية ، وشروح لها ، وشركات لاقتناصها ، ومتحدة معها في العرف الطبيعي أن يتفق جمهور الناس على التعبير بها عنها بسبب طبيعي تعطيه الصورة النوعية ، وذلك لأن الداعية إذا انبعثت إلى عمل ، فطاوعت له نفسه انبسطت ، وانشرحت ، وإن امتنعت انقبضت ، وتقلصت فإذا باشر العمل استبد منبعه من ملكية أو بهيمية وقوى وانحرف مقابله وضعف ، وإلى هذا الإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم: ' النفس تتمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك ، ويكذبه ' . ولن ترى خلقا إلا وله أعمال وهيئات يشار بها إليه ، ويعبر بها عنه وتتمثل صورتها مكشافا له ، فلو أن إنسانا وصف إنسانا آخر بالشجاعة واستفسر ، فبين لم يبين إلا معالجاته الشديد ، أو بالسخاوة لم يبين إلا دراهم ودنانير يبذلها ، ولو أن إنسانا أراد أن يستحضر صورة الشجاعة والسخاوة اضطر إلى صور تلك الأعمال اللهم إلا أن يكون قد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها ، ولو أن واحدا أراد أن يحصل خلقا ليس فيه ، فلا سبيل له إلى ذلك إلا الوقوع في مظانة ، وتجشم الأعمال المتعلقة به ، وتذكر وقائع الأقوياء من أهله ، ثم الأعمال هي الأمور المضبوطة التي تقصد بالتوقيت ، وترى ، وتبصر ، وتحكي ، وتؤثر ، وتدخل تحت القدرة والاختيار ، ويمكن أن يؤاخذ بها وعليها ، ثم النفوس ليست سواء في إحصاء الأعمال والملكات عليها: فمنها نفوس قوية تتمثل عندها الملكات أكثر من الأعمال ، فلا يعد من كمالها بالأصالة إلا الأخلاق ، ولكن تتمثل الأعمال لها لأنها قوالبها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت