( المسكرات ) واعلم أن إزالة العقل بتناول المسكر يحكم العقل بقبحه لا محالة إذ فيه تردى النفس في ورطة البهيمية والتبعد من الملكية في الغاية وتغيير خلق الله حيث أفسد عقله الذي خص الله به نوع الإنسان ومن به عليهم وإفساد المصلحة المنزلية والمدنية وإضاعة المال والتعرض لهيآت منكرة يضحك منها الصبيان . وقد جمع الله تعالى كل هذه المعاني تصريحا أو تلويحا في هذه الآية ! ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ) ! الآية . ولذلك اتفق جميع الملل والنحل على قبحه بالمرة ، وليس الأمر كما يظنه من لا بصيرة له من أنه حسن بالنظر إلى الحكمة العملية لما فيه من تقوية الطبيعة فإن هذا الظن من باب اشتباه الحكمة الطيبة بالحكمة العملية ، والحق أنهما متغايرتان وكثيرا ما يقع بينهما تجاذب وتنازع كالقتال يحرمه الطب لما فيه من التعرض لفك البنية الإنسانية الواجب حفظها في الطب ، وربما أوجبته الحكمة العملية إذا كان فيه صلاح المدينة أو دفع عار شديد ، وكالجماع يوجبه الطب عند التوقان وخوف التأذي من تركه ، وربما حرمته الحكمة العملية إذا كان فيه عار أو منابذة سنة راشدة . وأهل الرأي من كل أمة وكل قرن يذهبون إلى ترجيح المصلحة على الطب ويرون من لا يتحراها ولا يتقيد بها ميلا إلى صحة الجسم فاسقا ماجنا مذموما مقبوحا لا اختلاف لهم في ذلك ، وقد علمنا الله تعالى ذلك حيث قال: