( الخلافة ) اعلم أنه يشترط في الخليفة أن يكون عاقلا بالغا حرا ذكرا شجاعا ذا رأي وسمع وبصر ونطق ، وممن سلم الناس شرفه وشرف قومه ، ولا يستنكفون عن طاعته ، قد عرف منه أنه يتبع الحق في سياسة المدينة ، هذا كله يدل عليه العقل ، واجتمعت أمم بني آدم على تباعد بلدانهم واختلاف أديانهم على اشتراطها ، ولما رأوا أن هذه الأمور لا تتم المصلحة المقصودة من نصب الخليفة إلا بها ، وإذا وقع شيء من إهمال هذه رأوه خلاف ما ينبغي ، وكرهه قلوبهم ، وسكتوا على غيظ ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في فارس لما ولوا عليه امرأة . ' لن يفلح قوم ولوا عليهم امرأة ' . والمملة المصطفوية اعتبرت في خلافة النبوة أمورا أخرى: منها الإسلام ، والعلم ، والعدالة ، وذلك لأن المصالح الملية لا تتم بدونها ضرورة اجمع المسلمون عليه ، والأصل في ذلك قوله تعالى: ! ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) ! إلى قوله تعالى: ! ( فأولئك هم الفاسقون ) ! . ومنها كونه من قريش ، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
' الأئمة من قريش ' والسبب المقتضي لهذا أن الحق الذي أظهره الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم إنما جاء بلسان قريش وفي عاداتهم ، وكان أكثر ما تعين من المقادير والحدود ما هو عندهم ، وكان المعد لكثير من الأحكام ما هو فيهم ، فهم أقوم به وأكثر الناس تمسكا بذلك ، وأيضا فإن قريشا قوم النبي صلى الله عليه وسلم وحزبه ، ولا فخر لهم إلا بعلو دين محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد اجتمع فيهم حمية دينيه وحمية نسبيه ، فكانوا مظنة القيام