( المبحث الثالث ) ( مبحث الارتفاقات ) ( باب كيفية استنباط الارتفاقات ) اعلم أن الإنسان يوافق أبناء جنسه في الحاجة إلى الأكل والشرب والجماع والاستظلال من الشمس والمطر والاستدفاء في الشتاء وغيرها ، وكان من عناية الله تعالى به أن ألهمه كيف يرتفق بأداء هذه الحاجات إلهاما طبيعيا من مقتضى صورته النوعية ، فلا جرم يتساوى الأفراد في ذلك الأكل مخدج عصت مادته ، كما ألهم النحل كيف تأكل الثمرات ، ثم كيف تتخذ بيتا يجتمع فيه أشخاص من بني نوعها ، ثم كيف تنقاد ليعسوبها ، ثم كيف تعسل ، وكما ألهم العصفور كيف يبتغي الحبوب الغاذية ، وكيف يرد الماء ، و كيف يفر عن السنور والصياد ، وكيف يقاتل من صده عما يحتاج إليه ، وكيف يسافد ذكره الأنثى عند الشبق ، ثم يتخذان عشا عند الجبل ، ثم كيف يتعاونان في حضانة البيض ، ثم كيف يزقان الفراخ ، وكذلك لكل نوع شريعة تنفث في صدور أفراده من طريق الصورة النوعية . وكذلك ألهم الإنسان كيف يرتفق من هذه الضرورات غير أنه انظم له مع هذا ثلاثة أشياء لمقتضى صورته النوعية الرابية على كل نوع . أحدها الانبعاث إلى شيء من رأي كلي فالبهيمة إنما تنبعث إلى غرض محسوس أو متوهم من داعية ناشئة من طبيعتها كالجوع والعطش والشبق ، والإنسان ربما ينبعث إلى نفع معقول ليس له داعية من طبيعته فيقصد أن