إلا بالعبادات ، ولذلك كانت المصلحة الكلية تنادي أفراد الإنسان من كوة الصورة النوعية ، وتأمرها أمرا مؤكدا أن تجعل إصلاح الصفات التي هي كمال ثان بقدر الضرورة ، وأن تجعل غاية همتها ومطمح بصرها تهذيب النفس وتحليتها بهيآت تجعلها شبيهة بما فوقها من الملأ الأعلى مستعدة لنزول أكوان الجبروت والملكوت عليها ، وأن تجعل البهيمية مذعنة للملكية مطيعة لها منصة لظهور أحكامها . وأفراد الإنسان عند الصحة النوعية ، وتمكين المادة لظهور أحكام النوع كاملة وافرة تشتاق إلى هذه السعادة وتنجذب إليها انجذاب الحديد إلى المغناطيس ، وذلك خلق خلق الله الناس عليه ، وفطرة فطرهم عليها ، ولهذا ما كان في بني آدم أمة من أهل المزاج المعتدل إلا فيها قوم من عظمائهم يهتمون بتكميل هذا الخلق ، ويرونه السعادة القصوى ، ويراهم الملوك والحكماء فمن دونهم فائزين بما يجل عن سعادات الدنيا كلها ، ملتحقين بالملائكة ، منخرطين في سلكهم ، حتى صاروا يتبركون بهم ، ويقبلون أيديهم وأرجلهم ، فهل يمكن أن يتفق عرب الناس وعجمهم على اختلاف عاداتهم وأديانهم وتباعد مساكنهم وبلدانهم على شيء ، واحد وحدة نوعية إلا لمناسبة فطرية ، كيف لا وقد عرفت أن الملكية موجودة في أصل فطرة الإنسان ، وعرفت أفاضل الناس وأساطينهم من هم ، والله أعلم . ( باب اختلاف الناس في السعادة ) اعلم أن الشجاعة وسائر الأخلاق كما يختلف أفراد الإنسان فيها ، فمنهم الفاقد الذي لا يرجى له حصولها أبدا لقيام هيئة مضادة في أصل جبلته ، كالمخنث وضعيف القلب جدا بالنسبة إلى الشجاعة . ومنهم الفاقد الذي يرجى له ذلك بعد ممارسة أفعال وأقوال وهيآت تناسبها