فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 863

( باب الفرق بين المصالح والشرائع ) اعلم أن الشارع أفادنا نوعين من العلم متمايزين بأحكامهما متباينين في منازلهما . فأحد النوعين علم المصالح والمفاسد أعني ما بينه من تهذيب النفس باكتساب الأخلاق النافعة في الدنيا أو في الآخرة وإزالة أضدادها ، ومن تدبير المنزل وآداب المعاش وسياسة المدينة غير مقدر لذلك بمقادير معينة ولا ضابط مبهمة بحدود مضبوطه ولا مميز لمشكلة بأمارات معلومة ، بل رغب في الحمائد ، وزهد في الرذائل تاركا كلامه إلى ما يفهم منه أهل اللغة مديرا للطلب أو المنع على أنفس المصالح لا على مظان منصوبة لها وأمارات معرفة إياها كما مدح الكيس والشجاعة ، وأمر بالرفق والتودد والقصد في المعيشة ولم يبين أن الكيس مثلا ما حده الذي يدور عليه الطلب ، وما مظنته التي يؤاخذ الناس بها ، وكل مصلحة حثنا الشرع عليها وكل مفسدة ردعنا عنها فإن ذلك لا يخلو من الرجوع إلى أحد أصول ثلاثة أحدها: تهذيب النفس بالخصال الأربع النافعة في المعاد أو سائر الخصال النافعة في الدنيا ، وثانيها إعلاء كلمة الحق وتمكين الشرائع والسعي في إشاعتها وثالثها انتظام أمر الناس وإصلاح ارتفاقاتهم وتهذيب رسومهم ، ومعنى رجوعها إليها أن يكون للشيء دخل في تلك الأمور إثباتا لها أو نفيا إياها بأن يكون شعبة من خصلة منها أو ضدا لشعبتها أو مظنة لوجودها أو عدمها أو متلازما معها أو مع ضدها أو طريق إليها أو إلى الإعراض عنها ، والرضا في الأصل إنما يتعلق بتلك المصالح ، والسخط إنما يناط بتلك المفاسد قبل بعث الرسل وبعده سواء ، ولولا تعلق الرضا والسخط بتينك القبيلتين لم يبعث الرسل ، وذلك لأن الشرائع والحدود إنما كانت بعد بعث الرسل ، فما كان في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت