فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 863

التكليف بها والمؤاخذة عليها ابتداء لطف ، ولكن المصالح والمفاسد كانت مؤثرة مقتضية لتهذيب النفس أو تلويثها أو انتظام أمورهم أو فسادها قبل بعث الرسل ، فاقتضى لطف الله أن يخبروا بما يهمهم ، ويكلفوا بما لا بد لهم منه ، ولم يكن يتم ذلك إلا بمقادير وشرائع ، فاقتضى اللطف تلك القبيلة بالعرض ، وهذا النوع معقول المعنى ، فمنه ما تستقل العقول العامية بفهمه ، ومنه ما لا يفهمه إلا عقول الأذكياء الفائض عليهم الأنوار من قلوب الأنبياء نبههم الشرع ، فتنبهوا ، ولوح لهم ، فتفطنوا ، ومن أتقن الأصول التي ذكرناها لم يتوقف في شيء منها . والنوع الثاني علم الشرائع والحدود والفرائض: أعني ما بين الشرع من المقادير ، فنصب للمصالح مظان وأمارات مضبوطة معلومة ، وأدار الحكم عليها ، وكلف الناس بها ، وضبط أنواع البر بتعيين الأركان والشروط والآداب ، وجعل من كل نوع حدا يطلب منهم لا محالة وحدا يندبون إليه من غير إيجاب ، واختار من كل بر عددا يوجب عليهم ، وآخر يندبون إليه ، فصار التكليف متوجها إلى أنفس تلك المظان ، وصارت الأحكام دائرة على أنفس تلك الأمارات ، وصار مرجع هذا النوع إلى قوانين السياسة الملية ، . . . وليس كل مظنة لمصلحة توجب عليهم ، ولكن ما كان منها مضبوطا أمرا محسوسا أو وصفا ظاهرا يعلمه الخاصة والعامة ، وربما يكون للايجاب والتحريم أسباب طارئة يكتب لأجلها في الملأ الأعلى فيتحقق هنالك صورة الإيجاب والتحريم كسؤال سائل ورغبة قوم فيه أو أعراضهم عنه ، وكل ذلك غير معقول المعنى بمعنى أنا وإن كنا نعلم قوانين التقدير والتشريع ، فلا نعلم وجود كتابته في الملأ الأعلى وتحقق صورة الوجوب في حظيرة القدس إلا بنص الشرع ، فإنه من الأمور التي لا سبيل إلا إدراكها إلا الإخبار الإلهي مثل ذلك - كمثل الجمد - نعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت