فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 863

( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) وهم السباق . ومنهم الأنبياء يتأتى لهم الخروج إلى كمال هذا الخلق واختيار هيآت مناسبة له وكيفية تحصيل الفائت وإبقاء الحاضر وإتمام الناقص من غير إمام ولا دعوة ، فينتظم من جريانهم في مقتضى جبلتهم سنن يتذكرها الناس ، ويتخذونها دستورا ، وكيف ولما كانت الحدادة والتجارة وأمثالهما لا تأتي من جمهور الناس إلا بسنن مأثورة عن أسلافهم ، فما ظنك بهذه المطالب الشريفة التي لا يهتدي إليها إلا الموفقون ' ومن هذا الباب ينبغي أن يعلم شدة الحاجة إلى الأنبياء ووجوب إتباع سنتهم والاشتغال بأحاديثهم والله أعلم . ( باب توزع الناس في كيفية تحصيل هذه السعادة ) اعلم أن هذه السعادة تحصل بوجهين ، أحدهما ما هو كالانسلاخ عن الطبيعية البهيمية ، وذلك أن يتمسك بالحيل الجالبة لركود أحكام الطبيعة وخمود سورتها ، وانطفاء لهب علومها وحالاتها ، ويقبل على التوجه التام إلى ما وراء الجهات من الجبروت ، وقبول النفس لعلوم مفارقة عن الزمان والمكان بالكلية ، ولذات مباينة اللذات المألوفة من كل وجه ، حتى يصير لا يخالط الناس ، ولا يرغب فيما يرغبون ، ولا يرهب مما يرهبون ، ويكون منهم على طرف شاسع ، وصقع بعيد ، وهذا الذي يرومه المتألهون من الحكماء ، والمجذبون من الصوفية ، فوصل بعضهم غاية مداها ، وقليل ما هم وبقي آخرون مشتاقين لها ، طامحة أبصارهم إليها ، متكلفين لمحاكاة هيآتها . وثانيهما ما هو كالإصلاح للبهيمية والإقامة لعوجها مع تعلق أصلها ، وذلك أن يسعى في محاكاة البهيمية ما عند النفس النطقية بأفعال وهيآت وأذكار ونحوها ، كمثل ما يحاكي الأخرس أقوال الناس بإشاراته ، والمصور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت