أحوالا نفسانية من الوجل والخجل بهيآت مبصرة يجدها متعانقة مع تلك الأحوال ، والثكلى تفجعها بكلمات وترجيعات لا يسمعها أحد إلا حزن وتمثل عنده صورة التفجع . ولما كان مبنى التدبير الإلهي في العالم على اختيار الأقرب فالأقرب ، والأسهل فالأسهل ، والنظر إلى صلاح ما يجري مجرى جملة أفراد النوع دون الشاذة والفاذة ، وإقامة مصالح الدارين من غير أن ينخرم نظام شيء منهما اقتضى لطف الله ورحمته أن يبعث الرسل أولا وبالذات لإقامة الطريق الثانية ، والدعوة إليها ، والحث عليها ، ويدل على الأولى بإشارات التزامية ، وتلويحات تضمنية لا غير ، ولله الحجة البالغة . تفصيل ذلك أن الأولى إنما تأتي من قوم ذوي تجاذب ، وقليل ما هم ، وبرياضات شاقة ، وتفرغ قوى ، وقليل من يفعلها ، وإنما أئمتها قوم أهملوا معاشهم ، ولا دعوة لهم في الدنيا ، ولا تتم إلا بتقديم جملة صالحة من الثانية ولا يخلوا من إهمال إحدى السعادتين إصلاح الارتفاقات في الدنيا وإصلاح النفس للآخرة ، فلو أخذ بها أكثر الناس خربت الدنيا ، ولو كلفوا بها كان كالتكاليف بالمحال ، لأن الارتفاقات صارت كالجبلة ، والثانية إنما أئمتها المفهمون ، وذوو إصلاح ، وهم القائمون برياسة الدين والدنيا معا ، ودعوتهم هي المقبولة ، وسنتهم هي المتبعة ، وينحصر فيها كمال المصطلحين من السابقين أصحاب اليمين ، وهم أكثر الناس وجودا ، ويتمكن منها الذكي والغبي ، والمشتغل والفارغ ، ولا حرج فيها وتكفي العبد في استقامة نفسه ، ودفع أعوجاجها ، ودفع الآلام المتوقعة في المعاد عنها ، إذ لكل نفس أفعال ملكية تتنعم بوجودها ، وتتألم بفقدها أما أحكام التجرد فسيلقي إليها نشآت القبر والحشر من حيث لا يدري بجبلتها ولو بعد حين . ** ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ** ويأتيك بالأخبار من لم تزود **