فهرس الكتاب

الصفحة 437 من 863

( الاقتصاد في العمل ) اعلم أن أدوأ الداء في الطاعات ملال النفس ، فإنها إذا ملت لم تنتبه لصفة الخشوع ، وكانت تلك المشاق خالية عن معنى العبادة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ' إن لكل شيء شرة وإن لكل شرة فترة ' ولهذا السر كان أجر الحسنة عند اندراس الرسم بعملها وظهور التهاون فيها مضاعفا أضعافا كثيرة ، لأنها والحالة هذه لا تنبجس إلا من تنبه شديد وعزم مؤكد ، ولهذا جعل الشارع للطاعات قدرا كمقدار الدواء في حق المريض لا يزاد ، ولا ينقص . وأيضا فالمقصود هو تحصيل صفة الإحسان على وجه لا يفضي إلى إهمال الارتفاقات اللازمة ، ولا إلى غمط حق من الحقوق ، وهو قول سلمان رضي الله عنه: إن لعينيك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا ، فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم: ' أنا أصوم وأفطر ، وأقوم وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ' . وأيضا فالمقصود من الطاعات هو استقامة النفس ودفع اعوجاجها ، لا الإحصاء ، فإنه كالمتعذر في حق الجمهور ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ' استقيموا ، ولن تحصوا ، وأتوا من الأعمال ما تطيقون ' والاستقامة تحصل بمقدار معين ينبه النفس لالتذاذها بلذات الملكية وتألمها من خسائس البهيمية ، ويفطنها بكيفية انقياد البهيمية للملكية ، فلو أنه أكثر منها اعتادتها النفس ، واستحلتها فلم تتنبه لثمرتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت