وأيضا فمن المقاصد الجليلة في التشريع أن يسد باب التعمق في الدين لئلا يعضوا عليها بنواجذهم ، فيأتي من بعدهم قوم ، فيظنوا أنها من الطاعات السماوية المفروضة عليهم ، ثم تأتي طبقة أخرى ، فيصير الظن عندهم يقينا ، والمحتمل مطمأنا به ، فيظل الدين محرفا ، وهو قوله تعالى: ! ( رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ) ! وأيضا فمن ظن من نفسه - وإن أقر بخلاف ذلك من لسانه - أن الله لا يرضى إلا بتلك الطاعات الشاقة ، وأنه لو قصر في حقها فقد وقع بينه وبين تهذيب نفسه حجاب عظيم ، وأنه فرط في جنب الله ، فإنه يؤاخذ بما ظن ، ويطالب في بالخروج عن التفريط في جنب الله حسب اعتقاده ، فإذا قصر انقلبت علومه عليه ضارة مظلمة ، فلم تقبل طاعاته لهنة في نفسه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ' إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ' فلهذه المعاني عزم النبي صلى الله عليه وسلم على أمته أن يقتصدوا في العمل ، ألا يجاوزوا إلى حد يفضي إلى ملال واشتباه في الدين أو إهمال الارتفاقات ، وبين تلك المعاني تصريحا أو تلويحا . قوله صلى الله عليه وسلم: ' أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ' أقول: وذلك لأن إدامتها والمواظبة عليها آية كونه راغبا فيها ، وأيضا فالنفس لا تقبل أثر الطاعة ، ولا تتشرب فائدتها إلا بعد مدة ومواظبة واطمئنان بها ووجدان أوقات تصادف من النفس فراغا بمنزلة الفراغ الذي يكون سببا لانطباع العلوم من الملأ الأعلى في رؤياه ، وذلك غير معلوم القدر ، فلا سبيل إلى تحصيل ذلك إلا الإدامة والإكثار ،