( باب الحاجة إلى دين ينسخ الأديان ) استقرئ الملل الموجودة على وجه الأرض ، هل ترى من تفاوت عما أخبرتك في الأبواب السابقة ؟ كلا والله ، بل الملل كلها لا تخلو من اعتقاد صدق صاحب الملة وتعظيمه ، وأنه كامل منقطع النظير لما رأوا منه من الاستقامة في الطاعات أو ظهور الخوارق واستجابة الدعوات ، ومن الحدود والشرائع والمزاجر مما لا تنتظم الملة بغيرها ، ثم بعد ذلك أمور تفيد الاستطاعة الميسرة مما ذكرنا ومما يضاهيه ، ولكل قوم سنة وشريعة يتبع فيها عادة أوائلهم ، ويختار فيها سيرة حملة الملة وأئمتها ، ثم أحكم بنيانها ، وشدد أركانها حتى صار أهلها ينصرونها ، ويتناضلون دونها ، ويبذلون الأموال والمهج لأجلها ، وما ذلك إلا لتدبيرات محكمة ومصالح متقنة لا تبلغها نفوس العامة . ولما انفرز كل قوم بملة ، وانتحلوا سننا وطرائق ، ونافحوا دونها بألسنتهم ، وقاتلوا عليها بأسنتهم ، ووقع فيهم الجور ، إما لقيام من لا يستحق إقامة الملة بها ، أو لاختلاط الشرائع الابتداعية ، ودسها فيها ، أو لتهاون حملة الملة ، فأهملوا كثيرا مما ينبغي ، فلم تبق إلا دمنة لم تتكلم من أم أوفى ، ولا مت كل ملة أختها ، وأنكرت عليها ، وقاتلها ، واختفى الحق - مست الحاجة إلى إمام راشد يعامل مع الملل معاملة الخليفة الراشد مع الملوك الجائرة . ولك عبرة فيما ذكره ناقل كتاب الكليلة والدمنة من الهندية إلى الفارسية من اختلاط الملل ، وأنه أراد أن يتحقق الصواب فلم يقدر إلا على شيء يسير ، وفيما ذكره أهل التاريخ من حال الجاهلية واضطراب أديانهم . وهذا الإمام الذي يجمع الأمم على ملة واحدة يحتاج إلى أصول أخرى غير الأصول المذكورة فيما سبق .