فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 863

منها أن يدعو قوما إلى السنة الراشدة ، ويزكيهم ، ويصلح شأنهم ، ثم يتخذهم بمنزلة جوارحه ، فيجاهد أهل الأرض ، ويفرقهم في الآفاق ، وهو قوله تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت لناس ) . وذلك لأن هذا الإمام نفسه لا يتأتى منه مجاهدة أمم غير محصورة ، وإذا كان كذلك وجب أن تكون مادة شريعته ما هو بمنزلة المذهب الطبيعي لأهل الأقاليم الصالحة عربهم وعجمهم ، ثم ما عند قومه من العلم والارتفاقات ، ويراعى فيهم حالهم أكثر من غيرهم ، ثم يحمل الناس جميعا على اتباع تلك الشريعة لأنه لا سبيل إلى أن يفوض الأمر إلى كل قوم أو إلى أئمة كل عصر ، إذ لا يحصل منه فائدة التشريع أصلا ، ولا إلى أن ينظر ما عند كل قوم ، ويمارس كلا منهم ، فيجعل لكل شريعة ؛ إذ الإحاطة بعاداتهم وما عندهم على اختلاف بلدانهم وتباين أديانهم كالممتنع ، وقد عجز جمهور الرواة عن رواية شريعة واحدة ، فما ظنك بشرائع مختلفة ، والأكثر أنه لا يكون انقياد الآخرين إلا بعد عدد ومدد لا يطول عمر النبي إليها ، كما وقع في الشرائع الموجودة الآن فإن اليهود والنصارى والمسلمين ما آمن من أوائلهم إلا جمع ، ثم أصبحوا ظاهرين بعد ذلك فلا أحسن ولا أيسر من أن يعتبر في الشعائر والحدود والارتفاقات عادة قومه المبعوث فيهم ، ولا يضيق كل التضييق على الآخرين الذين يأتون بعد ، ويبقى عليهم في الجملة ، والأولون يتيسر لهم الأخذ بتلك الشريعة بشهادة قلوبهم وعاداتهم ، والآخرون يتيسر لهم ذلك بالرغبة في سير أئمة الملة والخلفاء ، فإنها كالأمر الطبيعي لكل قوم في كل عصر قديما أو حديثا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت