فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 863

والأقاليم الصالحة لتولد الأمزجة المعتدلة كانت مجموعة تحت ملكين كبيرين يومئذ: أحدهما كسرى - وكان متسلطا على العراق واليمن وخراسان وماوليهما ، وكانت ملوك ما وراء النهر والهند تحت حكمه يجبي إليه منهم الخراج كل سنة ، والثاني قيصر ، وكان متسلطا على الشام والروم ، وماوليهما ، وكان ملوك مصر والمغرب والإفريقية تحت حكمه يجبي إليه منهم الخراج . وكان كسر دولة هذين الملكين والتسلط على ملكهما بمنزلة الغلبة على جميع الأرض ، وكانت عاداتهم في الترفه سارية في جميع البلاد التي هي تحت حكمهما ، وتغير تلك العادات ، وصدهم عنها مفضيا في الجملة إلى تنبيه جميع البلاد على ذلك وإن اختلفت أمورهم بعده ، وقد ذكر الهرمزان شيئا من ذلك حين استشاره عمر رضي الله عنه في غزاة العجم ، أما سائر النواحي البعيدة عن اعتدال المزاج ، فليس بها كثير اعتداد في المصلحة الكلية ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ' اتركوا الترك ما تركوكم ، ودعوا الحبشة ما ودعوكم ' . وبالجملة فلما أراد الله تعالى إقامة الملة العوجاء ، وأن يخرج للناس أمة تأمرهم بالمعروف ، وتنهاهم عن المنكر ، وتغير رسومهم الفاسدة كان ذلك موقوفا على زوال دولة هذين متيسرا بالتعرض لحالهما فإن حالهما يسرى في جميع الأقاليم الصالحة أو يكاد يسري فقضى الله بزوال دولتهما ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن هلك كسرى ، فلا كسرى بعده ، وهلك قيصر ، فلا قيصر بعده ، ونزل الحق الدامغ لباطل جميع الأرض في دمغ باطل العرب بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ودمغ باطل هذين الملكين بالعرب ، ودمغ سائر البلاد بملتهما ، ولله الحجة البالغة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت