( باب أسرار الوضوء والغسل ) اعلم أن الإنسان قد يختطف من ظلمات الطبيعة إلى أنوار حظيرة القدس فيغلب عليه تلك الأنوار ويصير ساعة ما بريئا من أحكام الطبيعة بوجه من الوجوه ، فينسلك في سلكهم ، ويصير فيما يرجع إلى تجريد النفس كأنه منهم ، ثم يرد إلى حيث كان ، فيشتاق إلى ما يناسب الحالة الأولى ، ليغتنمه عند فقدها ، ويجعله شركا لاقتناص الفائت منها ، فيجد بهذه الصفة حالة من أحواله وهي السرور والانشراح الحاصل من هجر الرجز واستعمال المطهرات ، فيعض عليها بنواجذه ، ويتلوه إنسان سمع المخبر الصادق يخبر بأن هذه الحالة كمال الإنسان ، وأنه ارتضاها منه بارئه وأن فيها فوائد لا تحصى ، فصدقه بشهادة قلبه ، ففعل ما أمر به ، فوجد ما أخبر به حقا ، وفتحت عليه أبواب الرحمة وانصبغ بصبغ الملائكة ، ويتلوه رجل لا يعلم شيئًا من ذلك لكن قاده الأنبياء وألجأوه إلى هيآت تعدله في معاده للإنسلاك في سلك الملائكة ، وأولئك قوم جروا بالسلاسل إلى الجنة . والحدث الذي يحس أثره في النفس بادي الرأي ، والذي يليق أن يخاطب به جمهور الناس لانضباط مظانه ، والذي يكثر وقوع مثله ، وفي إهمال تعليمه ضرر عظيم بالناس - منحصر استقراء في جنسين: أحدهما اشتغال النفس بما يجد الإنسان في معدته من الفضول الثلاثة الريح والبول والغائط ، فليس من البشر أحد إلا ويعلم من نفسه أنه إذا وجد في بطنه الرياح ، أو كان حاقبل حاقنا خبثت نفسه ، فأخذت إلى الأرض ، وصارت كالحائرة المنقبضة ، وكان بينها وبين انشراحها حجاب ، فإذا اندفعت عنه الرياح ، وتخفف عنه الاخبثان ، واستعمل ما ينبه نفسه