ولا يلوح لهم بأرواحها كثير تلويح ، ولا يخيرهم في شيء من الشرائع ، ويجعل علم أسرار الشرائع الذي هو مأخذ الأحكام التفصيلية علما مكنونا لا يناله إلا من ارتسخت قدمه في العلم ، وذلك لان أكثر المكلفين لا يعرفون المصالح ولا يستطيعون معرفتها إلا إذا ضبطت بالضوابط ، وصارت محسوسة يتعاطاها كل متعاط ، فلو رخص لهم في ترك شيء منها ، وبين أن المقصود الاصلي غير تلك الأشباح لتوسع لهم مذاهب الخوض ، ولا اختلفوا اختلافا فاحشا ولم يحصل ما أراد الله فيهم ، والله اعلم . ومنها أنه لما كانت الغلبة بالسيف فقط لا تدفع رين قلوبهم ، فعسى أن يرجعوا إلى الكفر عن قليل - وجب أن يثبت بأمور برهانية أو خطابية نافعة في أذهان الجمهور أن تلك الاديان لا ينبغي أن تتبع ، لأنها غير مأثورة عن المعصوم ، أو أنها غير منطبقة على قوانين الملة ، أو أن فيها تحريفا ووضعا للشيء في غير موضعه ، ويصحح ذلك على رءوس الاشهاد ، ويبين مرجحات الدين القويم من أنه سهل سمح ، وأن حدوده واضحة يعرف العقل حسنها ، وأن ليلها نهارها ، وأن سننها أنفع للجمهور وأشبه بما بقي عندهم من سيرة الانبياء السابقين عليهم السلام وأمثال ذلك ، والله أعلم . ( باب احكام الدين من التحريف ) لا بد لصاحب السياسة الكبرى الذي يأتي من الله بدين ينسخ الأديان من أن يحكم دينه من أن يتطرف إليه تحريف ، وذلك لأنه يجمع أمما كثيرة ذوي استعدادات شتى وأغراض متفاوتة ، فكثيرا ما يحملهم الهوى أو حب الدين الذي كانوا عليه سابقا والفهم الناقص حيث عقلوا شيئا ، و غابت مصالح كثيرة أن يهملوا ما نصت الملة عليه ، أو يدسوا فيها ما ليس منها ، فيختل الدين ، كما قد وقع في كثير من الأديان قبلنا ، ولما لم يمكن الاستقصاء