( الجمعة ) الأصل فيها أنه لما كانت إشاعة الصلاة في البلد - بأن يجتمع لها أهلها - متعذره كل يوم وجب أن يعين لها حد لا يسرع دورانه جدا ، فيتعسر عليهم ، ولا ييطؤ جدا ، فيفوتهم المقصود وكان الأسبوع مستعملا في العرب والعجم . وأكثر الملل ، وكان صالحا لهذا الحد ، فوجب أن يجعل ميقاتها ذلك ، ثم اختلف أهل الملل في اليوم الذي يوقت به ، فاختار اليهود السبت ، والنصارى الأحد لمرجحات ظهرت لهم ، وخص الله تعالى هذه الأمة بعلم عظيم نفثه أولا في صدور أصحابه صلى الله عليه وسلم حتى أقاموا الجمعة في المدينة قبل مقدمه صلى الله عليه وسلم وكشفه عليه ثانيا بأن أتاه جبرائيل بمرآة فيها نقطة سوداء ، فعرفه ما أريد بهذا المثال ، فعرف . وحاصل هذا العلم أن أحق الأوقات بأداء الطاعات هو الوقت الذي يتقرب فيه الله إلى عباده ، ويستجاب فيه أدعيتهم ، لأنه أدنى أن تقبل طاعتهم ، وتؤثر في صميم النفس ، وتنتفع نفع عدد كبير من الطاعات ، وأن لله وقتا دائرا بدوران الأسبوع يتقرب فيه إلى عباده ، وهو الذي يتجلى فيه لعبادة في جنة الكثيب ، وأن أقرب مظنة لهذا الوقت هو يوم الجمعة ، فإنه وقع فيه أمور عظام ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ' خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة ، والبهائم تكون فيه مسيخة ' يعني فزعة مرعوبة كالذي ماله صوت شديد ، وذلك لما يترشح على نفوسهم في الملأ السافل ، ويترشح عليهم من الملأ الأعلى حين تفزع أولا لنزول القضاء ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم كسلسلة على صفوان حتى إذا فزع عن قلوبهم '