فهرس الكتاب

الصفحة 762 من 863

( الجهاد ) اعلم أن أتم الشرائع وأكمل النواميس هو الشرع الذي يؤمر فيه بالجهاد ، وذلك لأن تكليف الله عباده بما أمر ونهى - مثله كمثل رجل مرض عبيده ، فأمر رجلا من خاصته أن يقيهم دواء ، فلو أنه قهرهم على شرب الدواء ، وأوجره في أفواههم لكان حقا ، لكن الرحمة اقتضت أن يبين لهم فوائد الدواء ؛ ليشربوه على رغبة فيه ، وأن يخلط معه العسل ؛ ليتعاضد فيه الرغبة الطبيعية والعقلية . ثم إن كثيرا من الناس يغلب عليهم الشهوات الدنية والأخلاق السبعية ووساوس الشطان في حب الرياسات ، ويلصق بقلوبهم رسوم آبائهم ، فلا يسمعون تلك الفوائد ، ولا يذعنون لما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يتأملون في حسنة ، فليست الرحمة في حق أولئك أن يقتصر على إثبات الحجة عليهم ، بل الرحمة في حقهم أن يقهروا ؛ ليدخل الإيمان عليهم على رغم أنفهم بمنزلة إيجاد الدواء المر ، ولا قهر إلا بقتل من له منهم بكناية شديدة وتمنع قوى ، أو تفريق منعتهم وسلب أموالهم حتى يصيروا لا يقدرون على شيء ، فعند ذلك يدخل أتباعهم وذراريهم في الإيمان برغبة وطوع ، ولذلك كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر ' كان عليك إثم الأريسيين . وربما كان أسرهم وقهرهم يؤدي إلى إيمانهم ، وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:

' عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل ' . وأيضا فالرحمة التامة الكاملة بالنسبة إلى البشر أن يهديهم الله إلى الاحسان ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت