لا يستطيعون لأنفسهم شيئا ، فإذا ظفر بذلك فليتحقق فيهم ظنه الذي زوره قبل الحرب ، فإن خاف منهم أن يفسدوا تارة أخرى ألزمهم خراجا منهكا وجزية مستأصلة ، وهدم صياصيهم ، وجعلهم بحيث لا يمكن لهم أن يفعلوا فعلهم ذلك . ولما كان الخليفة حافظا لصحة مزاج حاصل من أخلاط متشاكسة جدا أوجب أن يكون متيقظا ، ويبعث عيونا في كل ناحية ، ويستعمل فراسة نافذة ، وإذا رأى اجتماعا منعقدا من عساكره ، فلا صبر دون أن ينصب اجتماعا آخر مثله ممن تحيل العادة مواطأتهم معهم ، وإذا رأى من رجل التماس خلافة ، فلا صبر دون اتقاء جرأته وإزالة شوكته وإضعاف قوته ولا بد أن يجعل قبول أمره والارتفاق على مناصحته سنة مسلمة عندهم ، ولا يكفي في ذلك مجرد القبول ، بل لا بد من أمارة ظاهرة للقبول ، بها يؤاخذ الرعية ، كالدعاء له والتنويه بشأنه في الاجتماعات العظيمة ، وأن يوطنوا أنفسهم على زي وهيئة أمر بها الخليفة ، كالاصطلاح على الدنانير المنقوشة باسم الخليفة في زماننا والله أعلم . ( باب اتفاق الناس على أصول الارتفاقات ) اعلم أن الارتفاقات لا تخلوا عنها مدينة من الأقاليم المعمورة ، ولا أمة من الأمم أهل الأمزجة المعتدلة والأخلاق الفاضلة من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة ، وأصولها مسلمة عند الكل قرنا بعد قرن وطبقة بعد طبقة لم يزالوا ينكرون على من عصاها أشد نكير ، ويرونها أمور بديهية من شدة شهرتها ، ولا يصدنك عما ذكرنا اختلافهم في صور الارتفاقات وفروعها ، فاتفقوا مثلا على إزالة نتن الموتى وستر سوآتهم ، ثم اختلفوا في الصور ، فاختار بعضهم الدفن في الأرض ، وبعضهم الحرق بالنار ،